استيقظت رهف قبل الفجر على صوت "المسحراتي"، ابتسمت و خرجت إلى الشرفة تستمع لكلماته البسيطة و ترى الأضواء على طول الشارع تعمل و البيوت تضج بالحياة رغم أن هذا موعد نوم و هدوء في العادة و لكن بما أن هذه ليلة الأول من رمضان فكل شيء سيتغير الآن.
غسلت وجهها و بدأت تقرأ في أحد الكتب عوضا عن العودة إلى النوم ، بعد قليل بدأ المؤذن ينادي لصلاة الفجر و يصدح بصوت الأذان العظيم عندها خطر يوسف على بالها و تذكرت حلمها و لكنها لم تستطع الربط بينهما. بعد ذلك الحلم ترددت رهف في الموافقة على طلب ياسر و بما أن المهلة تبقى لها خمسة أيام فهي لم تمانع الانتظار حتى تكون واثقة كل الثقة من قرارها.
في تلك الأثناء كان يوسف يرتدي ملابسه فيما هو خارج للصلاة عندما سمع والدته تطلب من ابنتها دعوة رهف للإفطار معهم لأن لا أحد لها ووالدها كما أخبرتها ابنتها مسافر، بالطبع يوسف يعلم أن رهف لا تصوم فقد رأى في سيارتها قلادة تحمل شكل الصليب و لكن لم يرغب في التدخل في حديثهم و ترك لأخته أن تعلم بمفردها، لكن هذه المعلومة لم تمنعه من التفكير بها طوال الوقت في ذهابه و إيابه، بل و قد تمنى بينه و بين نفسه أن تلبي الدعوة فقد اشتاق جدا لرؤيتها.
مع بداية الشهر الكريم تتغير مواعيد العمل و يصبح الجو إيمانيا خالصا، جو رائع لتحيا به أي عائلة و عائلة الحاج محمد ( أبو يوسف ) تعشق هذا الشهر و تجمعهم فيه و سهراتهم الرمضانية الجميلة.
بما أن وصال في فترة إجازة الآن فقد اتصلت هاتفيا برهف تدعوها للإفطار عندهم و لم تعطها الفرصة لترفض أو تقبل، أما رهف فرغم حرجها من هذه الدعوة التي تقدم للمسلمين فقد تشجعت للفكرة و حاولت ألا تتناول أي طعام حتى تشعر بما يشعر به الصائمون.
هناك في المكتب الهندسي كانت معركة محتدمة ما بين الإدارة و المهندسين على ساعات العمل الخاصة بشهر رمضان فالإدارة تطالب بالعمل ساعتين بعد الإفطار و هم لا يريدون ذلك و يفضلون العمل حتى وقت متأخر قبل الإفطار. أما يوسف فلم يكن مهتما بجدلياتهم و أصواتهم العالية كان كل همه في رهف ، تملؤه التساؤلات إن كان سيراها اليوم أم لا، لقد سلبته هذه الفتاة كل إدراكه و قد بدأ يفكر في الارتباط بها و لكن شكوكه حول ذلك الأشقر تمنعه من التقدم و تحويل الأفكار إلى أفعال.
مع اقتراب أذان المغرب وصلت رهف إلى منزل مستضيفيها و شعرت بأطرافها ترتجف و كأنها مقدمة على إمتحان صعب و لكن سبب هذه الرجفة و ذلك الخوف كان غائبا كليا عن بالها حتى رأت يوسف يتقدم نحو المنزل كذلك ثم توقف يرمقها بعينين واسعتين و ابتسامة دافئة مليئة بالمشاعر التي لم تستطع فك شيفرتها.
سلم عليها و عاتبها على غيابها الطويل فتعللت بانشغالها و الامتحانات و أنه كان من الممكن أن يسأل عنها بنفسه، هنا أصبح الموقف صعبا فلا مبررات لديه سوى حبه لها فماذا عساه يقول. أثناء دخولهم للمنزل بادرته رهف قائلة:
- يوسف .. أنا .. أعتنق الديانة المسيحية
التفت لها يوسف مستغربا و أجاب
- أنا أعلم ذلك أو كنت أتوقعه بعد أن رأيت الصليب في سيارتك
- أجل و لكن .. تلعثمت قليلا ثم أردفت .. ولكن أسرتك لا يعلمون ذلك
- و لماذا لم تخبريهم .. ؟!
- لم تكن هناك أي مناسبة .. و اليوم لم تمنحن وصال أي فرصة لأخبرها بذلك .. و بما أني وحدي في المنزل .. و مع إصرار وصال لم أستطع مقاومة الحضور إلى هنا
- رهف عم تتكلمين .. أنت مرحب بك في منزلنا في كل وقت و كونك مسيحية لا ينفي محبتنا لك .. تأكدي أن هذا الأمر لن يؤثر على علاقة أسرتنا بك أبدا
- يوسف أنا محرجة جدا لا أدري كيف سأخبرهم
- لا عليك سأخبرهم بطريقتي
أدخل يوسف رهف إلى غرفة الضيوف ثم ذهب يبحث عن وصال و أخبرها بالالتباس البسيط الذي حدث و طلب منها إخبار والدته و أن يحرصوا على عدم التسبب بالإحراج لرهف بأي شكل من الأشكال، في البداية سيطر الخجل على وصال كيف أنهم صديقتان و لم تعلم بمعلومة بسيطة كهذه و لكنها قبل أن تترك يوسف تنبهت و سألته:
- و كيف لك أن تعلم أنت عن ذلك
- أعلم و فقط .. لا وقت لتحقيقاتك الآن
- حسنا و لكن لا بد لي أن أعلم ما سرك يوما ما
لم يعرها أي اهتمام و عاد إلى رهف ، كيف له أن يفكر بأي شيء ورهف أمامه يراها و يشعر بها حقيقة لا أحلام ، قضى بعض الوقت معها حتى فرغت وصال فذهب يستعد لصلاة المغرب.
أنهت العائلة إفطارا طويلا نسيبا قضوا معظمه في الضحك و المزاح و كل منه يتحدث عن يومه الأول في الصيام لكن معظم الضحك انصب على صلاح لأنه كما يقال يحب معدته جدا و يعد الصيام بالنسبة لأمثاله تجويعا قاسيا لا بل تعذيبا شديدا أما رهف فكانت مستمتعة جدا بهذا الأجواء الجديدة عليها و شعرت بقرب كبير من العائلة فاستأذنت أن تقوم بتصويرهم صورا عشوائية و أخرى مقصودة لتتذكر هذا اليوم دائما فلم يعارضوا و أخذت تصورهم أكثر مما أكلت ، التقطت الكثير من الصور للجميع و لكن يوسف كان له نصيب الأسد دون أن تقصد هذا و لكنه اللاوعي يدلنا على رغباتنا المكبوتة.
__________________