الذكرى الخامسة عشر :
سرعان ما مرت الأيام وانقضت .. وها انا اليوم استعد للعودة إلى كليتي ، شقتي وإلى كل ما ألفته واعتدت عليه .. وقد كان حماسي كبيرا إلى درجة لا توصف .. بل إلى الحد الذي جعلني اودع أهلي بابتسامة بينما هم يودعونني بالدموع .. فلم اكن قادرا على الشعور بالحزن الذي يشعرون به لفراقي .. ربما لأنني لم استوعب بعد بأنني سأفارقهم لمدة ستة اشهر .. او ربما لأنني اعتدت على ان اعيش بعيدا عنهم .. لم افكر في الأسباب .. كل ماكنت افكر به هو انني سأعود .. سأعود أخيرا إلى .. حور ...
لم اخبر حور بأنني سأعود اليوم .. لأنني أريد ان افاجأها بعودتي .. ترى هل ستكون مسرورة لرؤيتي ؟ هل تشتاق إلي الآن كما اشتاق إليها ؟ هل سأجدها في شقتها ام انها ستكون في الخارج ؟! لا اعرف بالضبط .. ولكنني يجب ان انهي إجراءات ركوب الطائره الآن قبل ان يفوتني موعد الإقلاع ..
*****
وصلت إلى شقتي منهكا .. إلا انني لم ارغب في إضاعة وقتي بأخذ قسط من الراحة .. او حتى بتغيير ملابسي .. كل مافعلته هو انني رميت بحقائبي إلى داخل الشقه .. ثم خرجت مسرعا نحو العمارة التي تسكن فيها حور .. وقرعت الجرس .. فردت علي من المجيب الآلي سائلة : من الطارق ؟ فلم اجب .. لأنني أردتها ان تشغل جهاز الكاميرا الملحق بالمجيب وتراني واقفا على بابها ..
وهذا ماحدث .. شغلت حور الكاميرا .. وشاهدتني في الحال .. فصرخت بسعادة .. مرددة إسمي .. وانهمرت الأسئلة من شفتيها .. كيف .. اين .. متى .. لماذا .. كل انواع الأسئلة .. فلم اجبها سوى بابتسامة .. طالبا منها النزول .. إن كانت لا تريد مني ان ابقى منتظرا على عتبة بابها إلى الأبد ..
أسرعت حور نازلة إلي .. بلهفة وشوق .. لدرجة أنها كادت ان تحضنني شوقا .. ولكنها تراجعت في اللحظة الأخيرة حياء وخجلا .. فضحكت من اعماق قلبي سعادة وحبا لها .. وأمسكت بيدها بشوق ناظرا إلى عينيها .. مستمتعا بنظراتها الزائغة الهاربة من ملاقاة عيني .. ثم طلبت منها ان ترافقني إلى المقهى لنجلس سويا ونتحدث .. ونسترجع ايامنا الخوالي ..
******
سرعان ما بدأ العام الدراسي .. وانخرطنا جميعا في المذاكرة .. وخاصة أنا .. لأنني كنت انوي إتمام دراستي العليا .. كنت احلم دوما بأن احصل على شهادة الماجستير ، فالدكتوراة .. ولذلك كان علي أن اعمل جاهدا هذه السنة لأرفع من معدلاتي من جيد جدا إلى إمتياز .. وقد كان ذلك يتطلب جهدا كبيرا من ناحيتي .. ولذلك .. اصبحت لا اخرج إلا نادرا .. واقضي اغلب اوقاتي في المذاكره ..
تركيزي الكبير على المذاكرة ادى إلى قضائي وقتا اقل بكثير من السابق مع حور .. التي لم تتفهم انشغالي بالمذاكره .. واعتبرت ذلك تقصيرا مني بحقها .. وتغيرا في مشاعري نحوها .. مما سبب لي شعورا بالضيق والانزعاج .. لأنني كنت اتوقع منها هي بالذات ان تقف إلى جانبي وتشجعني على التركيز والاجتهاد بدلا من التذمر والشكوى ..
ازداد تبرم حور مع مرور الأيام .. وازدادت المشاكل والمشاحنات بيننا .. فبدأت أشعر بأنها تتصرف بطفولية مبالغ بها نوعا ما .. كما بدأت اشعر بأنها تختلق أي سبب للتشاجر معي وذلك فقط لأنني لا استطيع ترك مذاكرتي .. كما لو انها تريدني لها وحدها .. تريدني ان اكرس كل وقتي من اجلها .. تريد امتلاكي قلبا وقالبا .. فبدأت احس بالاختناق .. ولكنني رغم ذلك كنت لا ازال احبها .. واحبها بعمق .. رغم معرفتي وإدراكي لعيوبها .. إلا أن مشاعري نحوها لم تتحرك قيد انمله .. فأنا لا اتغير بسهوله .. ولا أزال حتى هذه اللحظة أخطط لأمر الخطوبة ..
******
ما ان ظهرت نتائج الامتحانات حتى حزمت حقائبي عائدا إلى الدوحه دون إبطاء .. لأنني هذه المرة ذاهب لهدف معين .. ليس فقط لقضاء الإجازة .. وإنما لأكلم اهلي عن حور .. واطلب منهم خطبتها لي .. وهذا ما حدث بالفعل ..
أخبرت اهلي عن حور .. عن كل شيء تقريبا .. كيف رأيتها اول مره .. وكيف هي مشاعرنا تجاه بعضنا البعض .. وكيف انني انوي الزواج بها .. وارغب منهم الموافقة على هذا الزواج ومباركته .. فسّر اهلي لأنني قررت الزواج اخيرا .. ولم يمانعوا نهائيا .. وخاصة لأنهم علموا بأن حور قريبة لهلا .. التي يعرفونها ويعرفون اهلها جيدا .. إلا انهم طلبوا مني إمهالهم بعض الوقت ليتمكنوا من السؤال اكثر عن الفتاة .. والتأكد من انها مناسبة لي .. فوافقت على مضض بشرط أن لا يطيلوا في السؤال .. لأنني لن استطيع البقاء معهم لأكثر من شهر ..
بعد ان سأل اهلي عن حور وعن اهلها .. واطمأنوا من ناحيتها .. اعلنوا لي موافقتهم النهائية على الخطوبة .. فسارعت إلى الاتصال بحور لأزف لها الخبر السعيد .. ففرحت حور .. واخذت تبكي بسعادة .. لأنها كانت تخشى أن لا اكون راغبا في الزواج بها .. كانت تخاف ان لا اقولها يوما .. كانت تخشى ان املّها واتركها دون رجعه .. إلا أنني اكدت لها بأنني ماكنت لأتركها يوما .. وأنني منذ عرفتها كنت انوي الزواج بها .. ولم اكن لأرضى بأقل من ذلك ..
طلبت مني حور الانتظار إلى نهاية هذا العام قبل ان نفاتح اهلها بالأمر رسميا .... لأنها تريد إنهاء دراستها الجامعية قبل ان تتزوج فلا يشغلها الزواج عن المذاكرة .. ولأن والدها لن يوافق على تزويجها قبل إتمام دراستها فوجدت انه من المستحسن ان تتم الخطوبة بعد امتحاناتها النهائيه لهذه السنة .. حيث ان والدها قد يعيد النظر في الأمر إن هي بقي على تخرجها عام واحد فقط ..
لم تعجبني الفكرة .. إلا انني رضخت لها .. بعد ان وعدتني بأن تخبر امها بكل شيء .. وتطلب منها المساعدة على إقناع والدها بالموافقة حين اتقدم لها بطريقة رسمية ..
اخبرت اهلي بأنني سأنتظر إلى ان اتخرج من الجامعه قبل ان اتقدم لخطبة حور .. وذلك لأن موقفي سيكون افضل امام اهلها .. حيث انني احمل شهادتي بيدي .. استغرب أهلي من تغير موقفي المفاجئ .. فبالأمس فقط كنت استعجلهم للموافقة .. واليوم اطلب منهم الانتظار .. إلا انهم اقتنعوا في النهاية بوجهة نظري من التأجيل .. ووجدوا بأنها وجهة نظر صائبه وبها الكثير من المصداقيه..
*****
وها قد عدت مجددا إلى الجامعة والمذاكرة .. وانغمست بها إلى اقصى حد .. لأنني كنت اريد ان يمر الوقت سريعا .. فأتخرج وأحقق حلمي الذي طالما حلمت به .. واتقدم لخطبة حور .. فتصبح ملكا لي وحدي دون سواي .. واخذت ادعو الله ليلا نهارا بأن يحقق لي أملي بالزواج منها ..