الذكرى الحادية والعشرون :
حين عدت بالأمس إلى الشقه .. اخذت استرجع ما جرى بيني وبين ريم .. وضحكت حين تذكرت الارتباك والتلعثم اللذان اصاباني حين فاجأتني بإلقائها التحية علي .. لقد كانت جرأة كبيرة منها .. ولكنها اعجبتني على أي حال .. فلم اكن لأبادر انا بالحديث إليها .. ليس بهذه السرعه .. فأنا بالكاد بدأت ألملم شتات نفسي بعد حور .. وماكنت سأقدم بهذه السهولة على الخوض في التعرف إلى فتاة جديدة .. رغم انني كنت قد بدأت اشعر بوجودها والميل لها ..
حين انتهيت بالأمس من الشرح لريم ماسألتني عنه .. اتفقنا على اللقاء اليوم في المكتبة .. ولكنني .. لا ادري إن كانت تقصد بأنها فعليا ستراني في المكتبة .. ام انها ستعود للجلوس بمفردها على إحدى الطاولات البعيده .. لم أجرؤ على سؤالها عن قصدها بالضبط .. وتركت الفضول يتآكلني إلى هذه اللحظة لأعرف ما هي خطوة ريم التالية ..
******
يبدو ان ريم كانت جادة حين وعدتني باللقاء ثانية في المكتبه .. فقد بدأنا نلتقي بشكل منتظم .. يوميا .. اولا في المكتبة ثم نخرج إلى اي مكان اخر .. أحيانا إلى مطعم .. واحيانا إلى مقهى .. واحيانا إلى السينما .. واصبحت علاقتنا قوية جدا .. إلى الحد الذي جعلني أسألها دون حرج .. عن سر ارتدائها للون الأحمر باستمرار .. فأجابتني قائلة بأن اللون الأحمر يجعلها تظهر بمظهر قوي وجريء.. أمام الجميع .. وأنها تحب هذا الإيحاء .. لأنها تتمنى لو كانت قوية بالفعل ..
لم افهم ماقصدته ريم بقولها أنها تتمنى لو كانت قوية بالفعل .. واستغربت لقولها هذا .. ولكنني لم اعلق عليه .. وتناسيت الموضوع تماما .. بحيث اصبح ارتداء ريم للون الأحمر دائما .. من أكثر الأشياء طبيعية بالنسبة إلي ..
بدأت اخرج إلى الدنيا أكثر .. وأختلط بالناس بشكل كبير .. وقد عرفتني ريم بكل اصدقائها وزملائها ... فأصبح لي اصدقاء من جديد .. وأصبحت احب الخروج برفقتهم ..
وبفضل ريم .. عدت مجددا للحياة .. وعادت لي ثقتي بنفسي التي فقدتها بعد حور شيئا فشيئا .. وبالطبع كنت قد اخبرت ريم بكل شيء عن حور .. وعن حالتي بعدها .. فوعدتني ريم بأن تساعدني وتقف إلى جانبي إلى ان اتمكن من نسيانها ونسيان كل الآلام التي سببتها لي ..
كنت اشعر بالامتنان نحو ريم .. لأنها ساعدتني بالفعل على تخطي الأزمة التي كنت امر بها .. ولكن .. كان حبي لحور لا يزال مسيطرا على مشاعري .. فظل حاجزا بيني وبين ريم .. لا أنكر بأنني حاولت نسيان حور .. وحاولت اكثر ان احب ريم .. ولكنني لم اتمكن من ذلك ..
كنت اعرف بأن ريم تحبني .. وكنت اخشى اللحظة التي ستبوح فيها بمشاعرها .. ترى بم سأرد عليها ؟ هل اقول لها بأنني احبها ؟ هل اقولها فقط كي لا اجرح مشاعرها و كي لا اخسرها ؟! إن قلتها فلن اكون صادقا .. لن اكون صادقا حتى مع نفسي .. فأنا واثق ومتأكد بأنني لا احبها فعلا ..
بدأ الشعور بتأنيب الضمير ينتابني .. وكان صوت صغير يتردد صداه في رأسي باستمرار قائلا لي .. ( انت مخادع .. مخادع ) .. فبدأت اشعر بالضيق .. وبالقلق .. مما اثر كثيرا على تعاملي مع ريم ..
نعم .. شعوري بالذنب وبالتقصير في حقها .. جعلني اختلق اعذارا .. اي أعذار .. للشجار معها .. وخلق المشاكل .. لتخاصمني .. وتبتعد عني .. وقد كنت انجح في ذلك لفترة.. أشعر خلالها بأنني قد أزحت حملا ثقيلا عن كاهلي .. لتعود ريم مجددا إليّ مسامحةً .. متناسيةً كل الأخطاء التي كنت اقترفها بحقها ..
كنت استغرب من عطاء هذه الإنسانة .. ومن إخلاصها في حبها .. فبالرغم من علمها بأنني لا أحبها .. وبالرغم من جرحي المستمر لمشاعرها .. فهي لا تزال صابرة .. محتملة كل الأذى مني ..
هل هذا هو الحب ؟! هل يهدر الحب كرامة المرء وكبرياءه ؟ بالأمس كنت استغرب ثقة ريم واعتدادها بنفسها .. كنت استغرب صراحتها وصلابتها .. كنت اجدها جافة نوعا ما .. ولكنني اكتشفت بأنني كنت مخطئا .. فحبها اكثر قوة وثبات من حب حور .. حبها اعاد إلي ماكنت افتقده .. اعطاني الشعور بالأمان الذي كنت احتاج إليه ..
ولكنني كنت خائفا .. خائفا من شبح حور الذي لا زال يطاردني .. فرفضتها .. ورفضت حبها ... اخبرتها بذلك .. اخبرتها بأنني لا اقدر ان احبها .. اخبرتها بأنني احب حور بحيث لم اعد قادرا على رؤية سواها .. اخبرتها بأنني لست مستعدا بعد للارتباط بها .. لأنني لست واثقا من قدرتي على حبها او حب اي امرأة أخرى ..
طلبت من ريم ان تمهلني بعض الوقت .. طلبت منها ان تعطيني الفرصة لأبتعد عنها .. وأعرف إن كنت قادرا على الحب من جديد .. طلبت منها ان نعود أصدقاء كما كنا في بداية تعارفنا .. لأنني أنوي اكتشاف مشاعري بعيدا عنها ..
حين انفجرت بريم .. قائلا لها كل ما اشعر به دفعة واحده ودون مقدمات .. ذهلت ريم .. ولم تتمكن من النطق .. إلا أنها تمالكت نفسها .. وأجابتني بصوت متحشرج .. بأنها موافقة .. موافقة على أن نعود أصدقاء كما كنا .. بشرط أن امهلها بعض الوقت ..
لم افهم ماكانت تقصد حين طلبت مني إمهالها بعض الوقت .. إلا انني فهمت ذلك .. حين اكتشفت بأنها غادرت المدينة .. عائدة إلى الدوحة .. تاركة كل شيء وراءها .. عرفت ذلك من اعز صديقاتها .. التي اخبرتني بأن ريم قامت بحذف الفصل الدراسي بأكمله .. لأنها لم تطق البقاء هنا بسببي .. وأخبرتني أنها لا تعرف إن كانت ريم ستعود مجددا أم لا .. اخبرتني بذلك بكل حقد وغضب .. واتهمتني بأنني كنت سببا في تحطيم صديقتها التي لم يسبق لها ان رأتها بهذا الضعف ..
كنت في حالة ذهول ... وصدمة .. اردت إصلاح ما افسدته .. اردت ان اطلب منها ان تسامحني .. ولكنني كنت اعرف بأنني إن فعلت فلن ازيد الأمور إلا سوءا .. لأنها ستعرف حينها بأنني ماعدت إليها إلا شفقه ..
قررت ان انتظر .. واترك الأيام تداوي جرح ريم من ناحيتي .. فالأيام وحدها كفيلة بمداواة أصعب الجروح .. ولكنني وعدت نفسي بأن لا انساها ما حييت .. وان ارد لها المعروف الذي صنعته بي .. يوما ما ..
ترى .. هل ستتمكن ريم فعلا من مسامحتي على ما فعلت .. هل ستعود إلى هنا مجددا ؟ هل سأراها واتمكن من الاعتذار لها ؟! ام انني لن اجرؤ على مواجهتها ؟!