الهيكل العظمي للثقافة
ثم إن ثقافة الاجتماع على كثرة وحداتها، تنتظم في ثقافة موحدة، هي بمنزلة الهيكل العظمي للثقافة العامة للاجتماع، وكما أن الهيكل العظمي موحد وإن تركب من أجزاء ثم يأتي بعد ذلك دور ما يحيط الهيكل من اللحم والأنسجة والعروق والأوردة وما أشبه، كذلك حال الثقافة، فثقافة العقيدة، وثقافة الآداب والرسوم، وثقافة المعاملات، وثقافة العبادات، وثقافة الأحوال الشخصية و… أجزاء يركب منها الهيكل الثقافي العام للاجتماع، ثم تلك الوحدات [الأعضاء] تملأها الخصوصيات والمزايا لكل ثقافة ثقافة. وكما أن الهيكل العظمي للإنسان غير الهيكل العظمي للغزال والسمك والطائر، كذلك لكل اجتماع هيكل عظمي خاص من الثقافة، يتمايز عن الاجتماع الآخر بذلك، وحتى الأنبياء ـ حيث كانت تختلف أزمنتهم ـ كان لكل هيكل ثقافي خاص، وإن كان الجميع يجتمعون في الأمور الأعم من ذلك ـ حال اجتماع الإنسان والطير والسمك والغزال في أصل الهيكل العظمي مثلاً ـ والى هاتين الرتبتين [رتبة الاجتماع والافتراق] أشارت الآيات الكريمة:
فمن الأولى: قوله سبحانه: (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا * وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط * وما أوتي موسى وعيسى * وما أوتي النبيون من ربهم * لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون)(14).
ومن الثانية: قوله تعالى: (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها)(15).
وقال: (ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه)(16).
وقال: لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم)(17).
ثم إن الكوارث أمثال الزلازل، والفيضانات وما أشبه، إذا لم تبدد الاجتماع تبديداً كاملاً، وكما في عذاب الله حيث يفني الأمة، لا تحطم الهيكل العظمي للثقافة، وإن كانت تحطم جملة من الأعضاء والأغشية وما إلى ذلك.
اخوكم النفيعي