دولة المماليك البرجية الجراكسة
بعد أن أجلى "الناصر محمد" الصليبين عن بلاد الشام عاد الصليبيون بحملة (عام 1365 م ) بقيادة ملك " قبرص" " بطرس الأول لوزجنان" الذي سافر إلى غرب أوربة ، وجمع الجند والمال في سبيل إنجاح حملته التي انطلقت من " رودوس" وهاجمت " الإسكندرية " في عهد السلطان "الأشرف شعبان" الذي كان صغيراً لا يتجاوز الحادية عشر من عمره و حيال الاستعدادات الواهنة التي قام بها نائب السلطنة
"يلبغا الناصري" اجتاح الصليبيون "الإسكندرية" وعاثوا فيها خرباً و دماراً و قتلاً و نهباً ، ثم انسحبت الحملة صوب البحر تجر غنائمها بواسطة السفن التي لم تستطع الإبحار من كثرة المنهوبات ، فأضطر الصليبيون لرمي جزء كبير مما نهبوه في قاع البحر.
في ظل ذلك الوضع كان المماليك " الجراكسة البرجية " الذين هم من مجلوبات" المنصور قلاوون" وهم من أصول كرجية من " كرجستان"، والذين تربوا ونشؤا في أبراج القلعة، فأخلصوا لـ " المنصور قلاوون" و أبنائه و أحفاده من بعده وذلك لرعاية " المنصور" لهم ، الذي عمل على تربيتهم بمنأى بعيد عن المماليك الترك البرية ، الذين دبت الفوضى بينهم .
فكان نتيجة السياسة التي اتبعها"المنصور قلاوون" تجاه المماليك البرجية من عطف وتفرقة في المعاملة عن المماليك القدامى الأتراك البحرية، أن دبت العداوة بين المماليك البحرية والمماليك البرجية. إلى أن تسلم أتابك العسكر الأمير " برقوق"( سنة 780هـ/1378م) في عهد السلطان " علاء الدين علي"، وبعد وفاة هذا السلطان أسند عرش السلطنة للأمير " حاجي" أحد أحفاد " الناصر محمد " ، ثم خلع السلطان " حاجي" من عرش السلطنة، فتسلم " برقوق" الحكم وكان ذلك ( سنة 1382 م ) ليبدأ عهد جديد من عهد المماليك عرف بعهد المماليك الجراكسة أو المماليك البرجية .
- خصائص عصر السلاطين الجراكسة :
1- كان كل السلاطين في هذا العصر من أصل جركسي عدا اثنين هما " خشقدم" و" تمربغا" ( الثور الحديدي ) اللذين كانا من أصل يوناني .
2- كان سلاطين هذا العصر أمراء أكثر من ما هم سلاطين ، ونجاح السلطان في الحكم كان يتوقف على قدرته في ضرب طوائف المماليك بعضها ببعض .
3- على الرغم من استمرار النزاع بين أمراء المماليك طيلة ( مئة و أربع و ثلاثين سنة ) ، إلا أنه لم يمكنوا أحد من التدخل في شؤون البلاد أوالإنتقاص من سيادتها وهذا ما جعلهم يقفون وقفة واحدة في وجه " تيمورلنك" في الوقت الذي اهتزت فيه جميع الدول القائمة غرب القارة الآسيوية أمام هجماته .
4- لم يوجد في عهدهم أي أثر لمبدأ وراثة العرش .
- السلطان الظاهر برقوق :
تسلم " الظاهر برقوق" الحكم بعد أن ضعفت " أسرة قلاوون" ، فحيكت في السنة الأولى لحكمه مؤامرة لعزله وإحلال الخليفة العباسي محله ،إلاّ أن" برقوق" استطاع القضاء على المؤامرة والتي أدت بالنتيجة إلى عزل الخليفة و تنصيب آخر مكانه ، ثم أنه في ( سنة 1389 م ) قامت ثورة ضده وقف على رأسها "منطاش"( منتاش) أمير" ملطية"، و" يلبغا الناصري" أمير " حلب" ، حيث تمكنا من مهاجمة القاهرة ومن إبعاد " برقوق" عن الحكم و إرجاع " الأشرف شعبان" من ( الأسرة القلاوونية ) إلى سدة الحكم ، ولكنه في ظل الخلاف الذي قام بين" منطاش" و" يلبغا الناصري" استطاع "برقوق" أن يعود إلى الحكم وبعودته على هذه الصورة بدأ عصر جديد لم تشهده المنطقة ألاّ وهو"عصرالغزوالتتاري لبلاد الشام"
.
- السلطان الظاهر برقوق و تيمورلنك:
" تيمورلنك" = "دمرلنك" = " تمرلنك"(دمر:في اللغة التركية الحديد– لنك:في اللغة الفارسية الأعرج) ينتسب " تيمورلنك" إلى " جنكيزخان" ( جنكيز : في اللغة الفارسية هيجان ) من طرف أمه ، بدأ حياته رئيساً لعصابة تعمل على السلب والنهب والقتل ،إلى أن أعلن نفسه ملكاً على" بلاد ما وراء النهر"جاعلاً من" سمرقند" عاصمة له، ثم ما لبث أن ضم إلى ملكه كل من(خراسان – طبرستان- هرات- جرجان" .
كما استولى على " تبريز" (سنة 788هـ/ 1386 م ) ، وطرد منها حاكمها " قره محمد التركماني" أمير قبيلة" قره قيون لو"( قره: أسود ، قيون: قطيع خراف أو شاة ) ( قره قيون لو= قبيلة الخراف السوداء ).
- "أوزون حسن" زعيم قبيلة " آق قيون لو" = قبيلة الخراف البيضاء - .
كاتبّ" تيمورلنك" صاحب" ماردين""مجد الدين عيسى" يستدعيه إليه لكن"مجد الدين" احتمى بالسلطنة المملوكية واعتذر بحجة أخذ رأي السلطان المملوكي في هذه الزيارة ، غضب" تيمورلنك" لهذا الرد ورغب في إثارة روح العداء بين " برقوق" وحاكم" ماردين" فأرسل مرة ثانية إلى " مجد الدين عيسى" حاكم" ماردين" وأوضح في رسالته أنه إنما يريد إقامة علاقات الود معه ، وأرسل خلعة وسكة ينقش بها الذهب والدنانير، ولم ينتظر" تيمورلنك" رد صاحب " ماردين" بل رحل من" تبريز" فجأة إلى الشرق.
وفي هذه الأثناء أسرع " قره محمد التركماني" واستعاد بلاده وأرسل إلى السلطان " برقوق" يخبره بعودته إلى عرشه وانه ضرب في " تبريز" السكة باسم السلطان.
في هذه الآونة هاجم " تيمورلنك"" بغداد"( سنة795هـ/ 1393 م ) بعد أن اجتاح "إيران" وكان يحكمها وقتذاك " أحمد بن أوبيس الجلايري" الذي تمكن من الهرب لائذاً بالسلطان " برقوق" ، و بالفعل وفر
" برقوق" كل السبل الكفيلة لوصول " أحمد بن أوبيس" إليه، و استقبله( 1394 م ) استقبالاً عم الأفاق .
أما " تيمورلنك" في الوقت الذي كان فيه في بغداد أرسل للقاضي " أبي عباس " صاحب " قيصرية"
و " توقات " و" سيواس" ( جنوب الأناضول) كتاباً هدده فيه أن هو لم يقدم الطاعة له سيهاجم بلاده ، لكن " أبي العباس " قتل رسل " تيمورلنك" ، وأرسل قسم منهم إلى " برقوق" وقسم أخر منهم للسلطان العثماني " بايزيد الأول الصاعقة"، كما أرسل " تيمورلنك"إلى " برقوق" كتاباً فيه تهديد و وعيد ، كما طلب طرد"أحمد بن أوبيس" وفي نهاية كتابه هذا طلب من " برقوق" تقوية أواصر المحبة والصداقة مع دولته التي غدت على حدود دولة المماليك لكن " برقوق" قبض على رسل " تيمورلنك" وقتلهم .
في هذا الوقت نشأت بين أمراء الدول(الدويلات) في الأناضول تحالفات كانت غايتها الوقوف إلى جانب " تيمورلنك" ضد السلطان العثماني " بايزيد الصاعقة" .
في هذه الآونة أيضاً قام " قره يوسف" أحد زعماء قبيلة " قره قيون لو" وهاجم قلعة ( أرض روم) =
( أرضروم) و أسر حاكمها " آطلمش توجين" قريب " تيمورلنك" ، و أرسله إلى " برقوق" .
كل هذا جعل" تيمورلنك" يهاجم "ماردين" و"أرمينيا"، وحين وصلت طلائع جيشه إلى"أورفة" اتحدت قوات"ملطية"و"حلب" واشتبكت مع القوات التتارية، فكان من نتائج هذه الصدمة أن انكسر التتار وفروا إلى خانهم"تيمورلنك" مما جعله يرسل رسالة تهديد أخرى إلى" برقوق" رد عليها السلطان رداً أعلن من خلاله أنه هو حامي الإسلام والمسلمين،في الوقت الذي كان فيه"برقوق" قدأعد جيشاً وساربه إلى دمشق.
في هذه الآونة غادر"تيمورلنك" بغداد صوب بلاده وذلك لهجوم" طقتمش" خان قبيلة"الدشت والسراي" للرد عليه، فاستغل"برقوق" غياب" تيمورلنك" وأرسل جيشاً برئاسة"أحمد بن أوبيس"إلى بغداد استطاع بواسطته " أحمد بن أوبيس" كسر جيش "ميران شاه " (ميرانشاه)ابن" تيمورلنك" حاكم بغداد .
وفي سنة ( 1398م) أرسل " تيمورلنك" رسالة إلى " برقوق" طالبه فيها بإطلاق سراح " أطلمش" لكن " برقوق" رفض ذلك و اشترط أن يرد " تيمورلنك" أسرى " برقوق" ، وفي غمرة هذه الأحداث توفي " برقوق" ليتسلم الحكم من بعده " فرج بن برقوق" .
لم يكن هناك انتصارات أخرى في عهد المماليك البرجية الا في عصر اثنين أخرين هما برسباي و جقمق.
.
- الأشرف برسباي وفتح جزيرة قبرص ( قبرس) ( 1422 – 1438 م ) :
تميزعهد" برسباي" بالاستقرار السياسي النسبي وقلة الاضطرابات على الصعيد السياسي لكنه تميز بسوء الأحوال الاقتصادية وذلك لسياسة الاحتكار التي تبناها والتي مكنته من القيام بعمل حربي ضخم التصق بإسمه ألا وهو فتح جزيرة " قبرص" .
أسباب فتح جزيرة " قبرص" :
1- تبني ملوك" قبرص" فكرة الاستمرار بالحروب الصليبية، وذلك منذ قيادة" بطرس لوزجنان" لحملة اجتاحت الإسكندرية( عام 1365 م ) واستمرارعملياتهم الهجومية أيضاً على ميناء"الإسكندرية"( سنة 1403م) وميناء "طرابلس"( سنة 1404م ) .
2- اعتداء القبارصة على السفن التجارية المملوكية ، ومنع السفن الأوربية من الوصول إلى شواطىء مصر و بلاد الشام .
3- تكرر العدوان القبرصي على الإسكندرية و التجار المسلمين في بداية عهد " برسباي" .
فكان أن أعد السلطان " برسباي" إبان حكمه ثلاث حملات ضد جزيرة " قبرص" ، كان أولها ( سنة 827هـ/ 1424 م ) وهي حملة صغيرة لا تعدو كونها حملة استطلاعية ، استطاعت الوصول إلى ثغر
" ليماسول" وأشعلت النار في بعض الأحياء هناك وعادت سالمة.
أما الحملة الثانية فلقد سارت ( سنة828هـ/ 1425 م ) حيث استطاعت دخول ميناء " قرباص" على الشاطئ الشمالي الشرقي لجزيرة " قبرص" وكذلك ميناء " فاماجوستا" حيث قضت القوات المملوكية أربعة أيام في هذه المنطقة وشنت الغارات على المدن و القرى القريبة منها وغنمت وأسرت الكثير .
ثم اختتمت أعمالها بالاستيلاء على " ليما سول" ثانية ، ولكنها انسحبت إثر سماع قادتها باستعداد ملك
" قبرس"" جانوس" لمحاربتهم في الجزيرة .
ثم سيرالسلطان" برسباي" حملة ثالثة(عام829هـ/ 1426 م) اجتاح من خلالها المماليك " ليما سول" ثم اشتبكوا مع ملكها "جانوس" في معركة كبيرة في منطقة " خيروكيتا " وقد أسفرت المعركة عن انتصار المماليك انتصاراً مؤزراً وأسروا من خلال هذه المعركة الملك القبرصي " جانوس" وكان من نتائج هذه الحملة :
أن دخل المماليك" نيقوسيا" عاصمة" قبرص" حيث ضمت بعد هذه الحملة جزيرة" قبرس" لجسم الدولة المملوكية بعد أن أطلق سراح الملك " جانوس" بعد دفع فدية كبيرة وبشرط الاعتراف بالسيادة المملوكية على الجزيرة ، لتدين هذه الجزيرة بالولاء للمماليك إلى ( سنة923هـ / 1517 م ) .
- السلطان جقمق وغزوه لجزيرة رودوس(842-858هـ/ 1438– 1453 م ):
كان حكم "الظاهر جقمق" معتدلاً إذا ما قيس بحكم " برسباي" ، كما عرف عن" جقمق"تدينه و ورعه فحرم المعاصي وشرب الخمور.
كما تعرض السلطان" جقمق" في بداية حكمه للثورات التقليدية التي تعرض لها غيره من السلاطين المماليك فثار ضده الأمير " قرقماش الشعباني" أتابك العسكر في مصر ، كما ثار صده نائب الشام في دمشق ولكنه نجح في القضاء على هاتين الثورتين ، كما نجح في القضاء على فتنة العبيد في الجزيرة .
تميز عهد جقمق بقضيتين اثنتين : القضية الأولى : علاقته بالمغول .
القضية الثانية : القوى البحرية المتوسطية .
- أما القضية الأولى فإنه بعد وفاة " تيمورلنك" ( 1405 م ) ورث عرش الدولة التيمورية " شاهرخ"
( شاه رخ ) ابن " تيمورلنك" الذي أراد أن يفتح صفحة جديدة من حكم التتار فأرسل إلى " برسباي" عدة سفارات أراد من خلالها إقامة علاقات ودية بين الطرفين وضمن أحد كتبه السماح له بكسو الكعبة المشرفة فضلاً عن تزويده ببعض الكتب التي ألفها علماء عصر المماليك مثل " ابن حجر العسقلاني"
و" المقريزي" وحيال رفض " برسباي" المتكرر أرسل " شاه رخ" سفارة ( عام 1436 م ) وطلب من السلطان " برسباي"أن تضرب السكة بإسمه كما طلب في رسالته أن يذكر إسمه على المنابر ، فأسر
"برسباي" سفارة " شاه رخ" فتأزم الموقف بين الطرفين ، وفي( عام 1438 م ) مات "برسباي" ليتسلم الحكم من بعده السلطان" جقمق" وفي بداية عهد هذا السلطان أرسل" شاه رخ" رسالة كان رد " جقمق" عليها مختلفاً تماماً ، إذ أراد من خلال تعامله مع السفارة التتارية أن يسلك مسلكاً معتدلاً وذلك حين أرسل لـ"شاه رخ" رسالة وافق فيها على أن يكسو" شاه رخ" الكعبة تحت كسوة السلطان ، لكن رد فعل الناس أدى بالنتيجة إلى أن ينزع " جقمق" كسوة التتار وذلك لعدم نسيان الناس ما فعله " تيمورلنك" في بلاد الشام .
- أما القضية الثانية فتتمحور في أن الصليبين وخاصة فرسان"الاسبتارية" اتخذوا من جزيرة"رودوس" منذ (عام 1310 م ) قاعدة لمواصلة نشاطهم ضد المسلمين في شرقي المتوسط (الأناضول و بلاد الشام ومصر ) .
ففي عهد " برسباي" أسرع مقدم الاسبتارية" فلوفيان" إلى جزيرة " قبرص" لكسب ود السلطان لكنه في عهد السلطان " جقمق" تغير الموقف وذلك حين استطاعت القوى الصليبية في الوصول ثانية إلى الشواطىء المصرية خصوصاً ( سنة 1439 م ) إذ وصلت إحدى غارات الصليبين إلى مدينة " الرشيد" و اعتدت على المناطق القريبة منها .
ثم أن السلطان العثماني " مراد الثاني" طلب من السلطان " جقمق" تولي أمر فرسان الاسبتارية لقيام تحالف صليبي ضده ، فكان أن أعد السلطان " جقمق" ثلاث حملات أرسلها إلى " رودوس" ، أولها
( سنة844هـ/ 1440 م ) ، والثانية ( سنة847هـ/ 1443 م ) والثالثة ( سنة848هـ/ 1444 م ) ، وعلى الرغم من أن الثالثة حاصرت عاصمة الجزيرة مدينة" رودس" مدة ( 40 يوماً ) لكنها لم تستطيع اقتحام العاصمة وذلك للأسباب التالية :
1- بسبب جملة الاستعدادات التي قام بها سكان الجزيرة .
2- بسبب الإمدادات التي وصلتهم من غربي أوربا وذلك لإحساس الأوربيين جميعاً بأهمية " رودوس" التجارية بعد سقوط" قبرص" بيد المماليك .
لم تكن هناك انتصارات أخرى للماليك و لكن كان هناك ازدهار ثقافي وحضاري .
و لكن بدأت الدولة المملوكية تضعف خصوصا بعد اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح و تدهورت الدولة المملوكية حتى اتهت على يد السلطان العثماني سليم الأول عام 1517م .
انتظرو الحلقة الأخيرة من هذه السلسة في الحلقة القادمة و سيتم فيها ذكر جوانب الحياة السياسية و الزراعية و الأجتماعية في عصر المماليك لأول مرة على مستوى المنتديات العربية