_ كأنك جثة تتحرك...
هكذا قلت له بعد أن فتحت عيني على شروده بجواري، كان يجلس كالجماد، نظر إلي مختنقا بما سوف يأتي غدا، بموعد الطائرة وما بعدها، فزوجي ينوي السفر، ينوي الذهاب إلى المجهول، كان قراره صعب وغير واضح، لذلك كان يخاف من الأقدار التي تنتظره ليرتدي ثيابها على ضفاف بعيدة، من العمل وطبيعته، من الأصدقاء الجدد الذين كتبت أسماؤهم على جبينه، من فقد البيضاء الصغيرة، هكذا كان يناديني ساعات فرحه.
حيرني صمته فقلت له بعصبية شديد:
_ يعذبني أن أراك ميتا، ويعذبني أكثر أنك تعرف هذا، ما جدواي إن لم تخرج الضحكة من قلبك؟ ما جدواي إن لم تنم دون كوابيسك؟ لقد تركت العالم من أجلك لكنني لم ألق منك سوى الإهمال ونكران كل شيء، حتى حين أتعبت نفسك واخترت لي لقبا ناديتني بالمستحيلة، ألم أقل لك من قبل إنه لم يعجبني؟ بل زادني حزنا، كيف أكون بين يديك وأنا المستحيلة في داخلك؟ كأنك تصر في قسوة وعناد على أن تبقيني في حياتك سرابا أو حلما بعيد المنال او لن يتحقق.. آآآه منك..لقد استهوتك اللعبة، كنت تلعب بي وما زلت تناديني بلقب لا أحبه..ألا تنوي إيقاظ ضميرك؟
رفع رأسه ببطء ثم قال:
_ إلى هذا الحد كنت جلادك؟
_ إلى هذا الحد كنت تجلد نفسك قبلي..
_ لدي من الأسباب ما يكفي لأتوقع خسارتك بجانبي..
_ لهذا تسافر
_ أجل، وربما لن أعود
أخيرا تحرك من مكانه، مشى خطوتين..مائلا كأنما يحمل جبالا من الهموم، تمنيت لو ابتكرت له حائطا يستند إليه حتى مقعده في الركن المقابل. جلس أمامي وأخذ ينظر إلي وهو يبتلع دخان سجائره، ساعات قليلة ويأتي الصباح بطائرة تأخذه إلى حياة أخرى، طلب مني أن نخرج إلى الشارع، لم أجبه فقد دفنت وجهي بين كفي وبكيت.
_ ألا تتعبين من البكاء؟
قالها وهو يتحرك نحوي كقاتل محترف استيقظ ضميره على مشهد جريمته وضحيته. أمسك بخيوط من شعري مبللة بالدموع وقال وهو يداعبها: أحبك أحيانا وأنت باكية..
همست له بصوت مختنق: لا شيء غريب عليك فطالما كنت الداء والدواء في آن واحد.
ابتسم وقال: ليس غير الألم يوحد القلوب.
نظرت إلى عينيه الممتلأتان بالدموع وقلت له: أكثر ما يحيرني فيك سفينتك المبحرة إلى المجهول، أنت ربان صنع ضلاله واستراح لحيرته الأبدية..ألقيت في أول الإبحار بخرائطك وكل ما يرشدك ومضيت بلا هدف، لا تريد شيئا ولا تفكر في أحد، تحلم بمعدة نصف ممتلئة وجبال من البن والتبغ
ابتسم وقال: نسيت شيئا آخر لطالما تملكتك الغيرة منه.
ضحكت لأول مرة منذ ساعتين وقلت له في حياء: البن والتبغ..والنساء
انتهز فرصة هدوئي وطلب مني ثانية الخروج، أغراني بوصف المشهد المسائي على الكورنيش، أمسك بيدي اليمنى، يدي الصغيرة كحبة الارز، هكذا كان ينعتها، أوقفني وترجاني أن نذهب لآخر مرة إلى مقعدنا الحجري على كرنيش نهر سبو
_ هناك جلسنا لأول مرة منذ عامين، انت التي اختارها المكان أم التي اختارت المكان؟ لم أسألك من قبل لماذا هذا المقعد بالذات؟ لماذا لم تختاري مقعدا آخر من تلك المقاعد المتناثرة بالمكان؟
_ من هناك فقط أستطيع مراقبة الشمس وهي تسحب خيوطها وتسقط خلف البنايات..شيء ما كنت ولا أزال احبه، لحظة يتسلل الليل إلى مدينتي الغالية "القنيطرة".. ويظهر القمر في أبهى حلله..هناك جلسنا لأول مرة ومن يومها استبدلت العالم بك.
سحبني من يدي إلى المكان الضيق الذي اقتسمنا مساحته لأضع بعض ملابسي التي أبقيتها منذ زمن، تركني هناك وذهب متثاقلا إلى الصالة، إنه يتصنع الهدوء ليمنحني الطمأنينة الكاذبة لليلة واحدة قبل سفره. آآه..كيف له أن يخبئ مخاوفه من غد يقترب كالرصاصة؟؟
غيرت ملابسي بسرعة، واخترت لباسا له ذكرياته الخاصة في حياتنا، بعد قليل خرجت له به، وفي عيني ابتسامة حزينة..ارتعد جسمه وهو يشاهدني كما رآني أول مرة، هكذا أردت أن أكون معه.
نزلت دمعة من عينيه وقال وهو يمسك يداي بحنان:
اختصرت عامين كاملين في لباس قديم كان مخبأ للذكرى..واليوم هو للوداع.
مع تحيات اخوكم زيكو الجزائري
منقول