روابط تهمك : شات الهنوف | تفعيل العضوية | طلب كود تفعيل العضوية | طلب كلمة المرور | اضفنا للمفضلة

الأخوة الزوار الكرام في حالة التسجيل تأكد من وضع بريدك الالكتروني بشكل صحيح لتفعيل عضويتك


عضويتك غير مفعلة حتي الأن لقد تم إرسال رابط التفعيل لك بالبريد الإلكتروني اذا كنت تستخدم بريد الهوتميل تأكد من عدم وجود الرساله في ملف الجنك ميل
لطلب إرسال الرابط مرة أخري إضغط هنـا
للتفعيل يدويا إضغط هنـا وقم بإدخال البيانات التي أرسلت لك
إذا كنت تواجهة مشكلة في التفعيل إضغط هنـا وقم بكتابة رسالة للأدارة للنظر في طلبك

أهـلا وسـهلا بـكـم في مـنـتـديـات الـهـنـوف مـع تـمـنـيـاتـنـا لـكـم بـقـضـاء أجـمـل الأوقـات وأمـتـعـهـا كـلـمـة الاداره

« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: ليييييييييش انا ؟؟؟ (آخر رد :مشكلني حب الإتحاد)       :: شي+شي=الله يستر (آخر رد :الشوق والدمعة)       :: يوميات ...سعودي بامريكا (آخر رد :نهنوهه)       :: ارتفاع حصيلة شهداء العدوان الاسرائيلي على غزة لـ 763 شهيدا و 3120 جريح (آخر رد :نهنوهه)       :: ماذا سيحدث لك ان كنت لا تصلي (آخر رد :نهنوهه)       :: شوفوا طالب ثانوي ليلة أخر أختبار وش سوى >>>>الله يرجهـ (آخر رد :روحـ ـتحبك ــــــي)       :: عند لقياك (آخر رد :نهنوهه)       :: اكتبي جمله باالعاااميه والي بعدك تقول نفسهااا بالفصحى (آخر رد :الشوق والدمعة)       :: لا استطيع قول... احبك (آخر رد :نهنوهه)       :: حب قطااااااااااااااااااوه............ ؟؟؟؟؟؟ (آخر رد :روحـ ـتحبك ــــــي)      


العودة   منتديات الـهنـوف > منتديات الهنوف الاسلامية > الإسلامي العام
التسجيل اجعل كافة المشاركات مقروءة

الإسلامي العام أحاديث ، محاضرات ، فتاوي , قصص اسلامية , أدعية , مناجاة" " بما يتوافق مع مذهب أهل السنة والجماعة "

تفسير القرآن الكريم(كاملا)..!!

رد
 
 
 
LinkBack أدوات الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
قديم 12-11-2007, 04:58 مساءً   رقم المشاركة : 21
:+: مراقب عام :+:
ابن بطوطه المنتدى
 
الصورة الرمزية احمد الدليمي
ملف العضو






 
حالة الاتصال
احمد الدليمي غير متواجد حالياً

 
احمد الدليمي سوف يصبح مبدعاً


 

افتراضي

التحليل والتحريم لله وحده سبحانه وتعالى

{مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ(103)وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءابَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ ءابَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ(104)}



{مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ} كان أهل الجاهلية إذا أنتجت الناقة خمسة أبطن آخرها ذكر بحروا أذنها أي شقوها وحرموا ركوبها وهي البحيرة، وكان الرجل يقول: إذا قدمتُ من سفري أو برئتُ من مرضي فناقتي سائبة، وجعلها كالبحيرة في تحريم الانتفاع بها، وإِذا ولدت الشاة أنثى فهي لهم وإن ولدت ذكراً فهو لآلهتهم وإن ولدت ذكراً وأنثى قالوا وصلت أخاها وهي الوصيلة، وإذا أنتجت من صلب الفحل عشرة أبطن قالوا قد حمى ظهره وهو الحام، فلما جاء الإِسلام أبطل هذه العادات كلها فلا بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام، {وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ} أي ولكنَّ الذين كفروا بالله يختلقون الكذب على الله وينسبون التحريم إليه فيقولون الله أمرنا بهذا وأكثرهم لا يعقلون أن هذا افتراء لأنهم يقلّدون فيه الآباء ولهذا قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ} أي وإذا قيل لهؤلاء الضالين هلموا إلى حكم الله ورسوله فيما حلّلتم وحرّمتم {قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءابَاءَنَا} أي يكفينا دين آبائنا {أَوَلَوْ كَانَ ءابَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ} الهمزة للإِنكار والغرض والتوبيخ أي أيتبعون آباءهم فيما هم عليه من الضلال ولو كانوا لا يعلمون شيئاً من الدين ولا يهتدون إلى الحق؟



الهداية من الله والمرجع إليه



{يا أيُّهَا الَّذِينَ ءامنوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ(105)}



{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامنوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ} أي احفظوها عن ملابسة المعاصي والإِصرار على الذنوب والزموا إصلاحها {لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} أي لا يضركم ضلال من ضلَّ من الناس إذا كنتم مهتدين، قال الزمخشري: كان المسلمون تذهب أنفسهم حسرة على الكفرة يتمنون دخولهم في الإِسلام فقيل لهم عليكم أنفسكم بإصلاحها والمشي بها في طرق الهدى لا يضركم الضلاَّل عن دينكم إذا كنتم مهتدين كما قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم {فلا تذهب نفسُك عليهم حسرات}.

وقال أبو السعود: ولا يتوهمنّ أحدٌ أنّ في الآية رخصة في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن من جملة الاهتداء أن ينكر وقد روي أن الصدّيق قال يوماً على المنبر: أيها الناس إنكم تقرأون هذه الآية وتضعونها غير موضعها وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيرّوه عمّهم الله بعقابه {إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا} أي مصيركم ومصير جميع الخلائق إلى الله { فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} أي فيجازيكم بأعمالكم، قال البيضاوي: هذا وعدٌ ووعيد للفريقين، وتنبيه على أن أحداً لا يؤاخذ بذنب غيره.



الحض على الوصية والاهتمام بأمرها





{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامنوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ ءاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصلاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الآثِمِينَ(106)فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ(107)ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ(108)}



{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامنوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ} أي يا أيها المؤمنون إذا شارف أحدكم على الموتِ وظهرت علائمه فينبغي أن يُشهد على وصيته {اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ ءاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} أي يُشهد على الوصية شخصين عدلين من المسلمين أو أثنان من غير المسلمين إن لم تجدوا شاهدين منكم {إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ} أي إن أنتم سافرتم فقاربكم الأجل ونزل بكم الموت {تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصلاةِ} أي توقفونهما من بعد صلاة العصر لأنه وقت اجتماع الناس وكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم استحلف عديّاً وتميماً بعد العصر على المنبر {فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ} أي يحلفان بالله إن شككتم وارتبتم في شهادتهما، قال أبو السعود: أي إن ارتاب بهما الوارث منكم بخيانةٍ وأخذ شيء من التركة فاحبسوهما وحلفوهما بالله {لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} أي يحلفان بالله قائلَين: لا نحابي بشهادتنا أحداً ولا نستبدل بالقسم بالله عرضاً من الدنيا أي لا نحلف بالله كاذبين من أجل المال ولو كان من نُقسم له قريباً لنا {وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الآثِمِينَ} أي ولا نكتم الشهادة التي أمرنا الله تعالى بإقامتها إنّا إن فعلنا ذلك كنا من الآثمين .

{فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا} أي فإن اطُّلع بعد حلفهما على خيانتهما أو كذبهما في الشهادة { فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ} أي فرجلان آخران من الورثة المستحقين للتركة يقومان مقام الشاهدين الخائنين وليكونا من أولى من يستحق الميراث {فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا} أي يحلفان بالله لشهادتنا أصدق وأولى بالسماع والاعتبار من شهادتهما لأنهما خانا {وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ} أي وما اعتدينا فيما قلنا فيهما من الخيانة إنّا إذا كذبنا عليهم نكون من الظالمين .

{ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا}أي ذلك الحكم أقرب أن يأتوا بالشهادة على حقيقتها من غير تغيير ولا تبديل {أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ} أي يخافوا أن يحلف غيرهم بعدهم فيفتضحوا {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا} أي خافوا ربكم وأطيعوا أمره {وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} أي والله لا يهدي الخارجين عن طاعته إلى جنته ورحمته.



تذكيرٌ باليوم الآخر

{يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ(109)}



{يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ} أي اذكروا أيها الناس ذلك اليوم الرهيب يوم القيامة حين يجمع الله الرسل والخلائق للحساب والجزاء {فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ} أي ما الذي أجابتكم به أممكم؟ وما الذي ردّ عليكم قومكم حين دعوتموهم إِلى الإِيمان والتوحيد؟ {قَالُوا لا عِلْمَ لَنَا} أي لا علم لنا إِلى جنب علمك، قال ابن عباس: أي لا علم لنا إِلا علم أنت أعلم به منا {إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ} أي تعلم ما لا نعلم ممّا ظهر وبطن، قال أبو السعود: وفيه إِظهارٌ للشكوى وردٌ للأمر إِلى علمه تعالى بما لقوا من قومهم من الخطوب وكابدوا من الكروب والتجاءٌ إِلى ربهم في الانتقام منهم.



معجزات عيسى عليه السلام



{إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ(110)وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ ءامنوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا ءامَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ(111)}



{إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ} قال ابن كثير: يذكر تعالى ما منَّ به على عبده ورسوله عيسى بن مريم عليه السلام بما أجراه على يديه من المعجزات وخوارق العادات أي اذكر نعمتي عليك في خلقي إِياك من أمّ بلا ذكر وجعلي إِيّاك آية قاطعة على كمال قدرتي، وعلى والدتك حيث جعلتك برهاناً على براءتها ممّا اتهمها به الظالمون من الفاحشة، وقال القرطبي: هذا من صفة يوم القيامة كأنه قال: اذكر يوم يجمع الله الرسل وإِذا يقول لعيسى كذا وذكر بلفظ الماضي {إِذْ قَال} تقريباً للقيامة لأن ما هو آتٍ قريب.

{إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ} أي حين قوّيتك بالروح الطاهرة المقدسة "جبريل" عليه السلام {تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلا} أي تكلّم الناس في المهد صبيّاً وفي الكهولة نبياً {وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ} أي واذكر نعمتي عليك حين علمتك الكتابة والحكمة وهي العلم النافع مع التوراة والإِنجيل {وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي} أي واذكر أيضاً حين كنت تصوّر الطين كصورة الطير بتيسيري وأمري {فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي} أي فتنفخ في تلك الصورة والهيئة فتصبح طيراً بأمر الله ومشيئته {وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي} أي تشفي الأعمى الذي لا يبصر والأبرص الذي استعصى شفاؤه بأمري ومشيئتي.

{وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي} أي تحيي الموتى بأمري ومشيئتي، وكرر لفظ {بِإِذْنِي} مع كل معجزة رداً على من نسب الربوبية إِلى عيسى ولبيان أن تلك الخوارق من جهته سبحانه أظهرها على يديه معجزة له {وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ} أي واذكر حين منعتُ اليهود من قتلك لمّا همّوا وعزموا على الفتك بك حين جئتهم بالحجج والمعجزات {فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ} أي قال الذين جحدوا نبوتك ولم يؤمنوا بك ما هذه الخوارق إِلا سحرٌ ظاهر واضح.

{وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ ءامنوا بِي وَبِرَسُولِي} وهذا أيضاً من الامتنان على عيسى أي واذكر حين أمرتُ الحواريين وقذفت في قلوبهم أن صدّقوا بي وبرسولي عيسى بن مريم {قَالُوا ءامَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ} أي قال الحواريون صدّقنا يا رب بما أمرتنا واشهد بأننا مخلصون في هذا الإِيمان خاضعون لأمر الرحمن.



قصة المائدة



{إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ(112)قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ(113)قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنْ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لأَوَّلِنَا وَءاخِرِنَا وَءايَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ(114)قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ(115)}



{إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ} أي واذكر حين قال الحواريون يا عيسى هل يقدر ربك على إِنزال مائدة من السماء علينا؟ قال القرطبي: وكان هذا السؤال في ابتداء أمرهم قبل استحكام معرفتهم بالله عز وجل ويجوز أن يكون ذلك صدر ممن كان معهم من الجهال كما قال بعض قوم موسى {اجعل لنا إِلهاً كما لهم آلهة} وقال أبو حيان: وهذا اللفظ يقتضي ظاهره الشك في قدرة الله تعالى على أن ينزّل مائدة من السماء وهذا ما ذهب إِليه الزمخشري وأما غيره من أهل التفسير فأطبقوا على أن الحواريين كانوا مؤمنين وهم خواص عيسى وأنهم لم يشكّوا في ذلك حتى قال الحسن: لم يشكوا في قدرة الله وإِنما سألوه سؤال مستخبر هل ينزّل أم لا؟ فإِن كان ينزّل فاسأله لنا فسؤالهم كان للاطمئنان والتثبت {قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ} أي اتقوا الله في أمثال هذه الأسئلة إِن كنتم مصدقين بكمال قدرته تعالى.

{قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا} أي قال الحواريون نريد بسؤالنا المائدة أن نأكل منها تبركاً وتسكن نفوسنا بزيادة اليقين {وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا} أي ونعلم علماً يقيناً لا يحوم حوله شائبة من الشك بصدقك في دعوى النبوة {وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ} أي نشهد بها عند من لم يحضرها من الناس.

{قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ} أجابهم عيسى إِلى سؤال المائدة لإِلزامهم بالحجة الدامغة وروي أنه لما أراد الدعاء لبس جبة شعر ورداء وقام يصلي ويدعو ربه ويبكي، قال أبو السعود: نادى عيسى ربه مرتين: مرة بوصف الألوهية الجامعة لجميع الكمالات، ومرة بوصف الربوبية المنبئة عن التربية إِظهاراً لغاية التضرع { تَكُونُ لَنَا عِيدًا لأَوَّلِنَا وَءاخِرِنَا} أي يكون يوم فرح وسرور لنا ولمن يأتي بعدنا {وَءايَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ} أي ودلالة وحجة شاهدة على صدق رسولك وارزقنا يا ألله فإِنك خير من يعطي ويرزق الغني الحميد {قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ} أي أجاب الله دعاءه فقال إِني سأنزل عليكم هذه المائدة من السماء {فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ} أي من كفر بعد تلك الآية الباهرة فسوف أعذبه عذاباً شديداً لا أُعذّب مثل ذلك التعذيب أحداً من البشر وفي الحديث (أُنزلت المائدة من السماء خبزاً ولحماً وأُمروا ألا يدّخروا لغدٍ ولا يخونوا فخافوا وادخروا ورفعوا لغدٍ فمسخوا قردة وخنازير) قال في التسهيل: جرت عادة الله عز وجل بعقاب من كفر بعد أن يقترح آية ثم يعطاها، ولما كفر بعض هؤلاء مسخهم الله خنازير.



عيسى عليه السلام ينفي عن نفسه مزاعم النصارى



{ وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ءأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ(116)مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ(117)إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(118)قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ(119)لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(120)}



{وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ءَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ} هذا عطف قصة على قصة {إِذ قال الحواريون} {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى} قال ابن عباس: هذا القول يكون من الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق ليعلم الكفار أنهم كانوا على باطل والمعنى: اذكر للناس يوم يخاطب الله عبده ورسوله عيسى بن مريم في الآخرة توبيخاً للكفرة وتبكيتاً لهم قائلاً: يا عيسى أأنت دعوت الناس إِلى عبادتك والاعتقاد بألوهيتك وألوهية أمك؟! قال القرطبي: إِنما سأله عن ذلك توبيخاً لمن ادّعى ذلك عليه ليكون إِنكاره بعد السؤال أبلغ في التكذيب وأشد في التوبيخ والتقريع.

{قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ} أي أنزهك عما لا يليق بك يا رب فما ينبغي لي أن أقول وأنت العالم بأني لم أقله، وهذا اعتذارٌ وبراءة من ذلك القول ومبالغةٌ في الأدب وإِظهار الذلّة والمسكنة في حضرة ذي الجلال {إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ} أي تعلم حقيقة ذاتي وما انطوت عليه ولا أعلم حقيقة ذاتك وما احتوت عليه من صفات الكمال إِنك أنت العالم بالخفايا والنوايا وعلمك محيط بما كان وما يكون {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ} أي ما أمرتهم إِلا بما أمرتني به، قال الرازي: وضع القول موضع الأمر نزولاً على موجب الأدب لئلا يجعل نفسه وربه آمرين معاً {أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ} أي قلت لهم اعبدوا الله خالقي وخالقكم فأنا عبد مثلكم {وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ} أي كنت شاهداً على أعمالهم حين كنتُ بين أظهرهم {فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ} أي فلما قبضتني إِليك بالرفع إِلى السماء كنت يا ألله الحافظ لأعمالهم، والشاهد على أفعالهم {وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} أي وأنت المطّلع على كل شيء لا يخفى عليك شيء .

{إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ} أي إِن تعذبهم فأنت مالكهم تتصرف فيهم كيف شئت لا اعتراض عليك {وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} أي وإِن تغفر لمن تاب منهم فإِنك أنت الغالب على أمره الحكيم في صنعه {قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ} أي يوم القيامة ينفع الصادقين في الدنيا صدقُهم لأنه يوم الجزاء { لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} أي لهم جنات تجري من تحت غرفها وأشجارها الأنهار ماكثين فيها لا يخرجون منها أبداً {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} أي نالوا رضوان الله لصدقهم ورضوا عن الله فيما أثابهم وجازاهم ذلك هو الظفر والفوز الكبير بجنات النعيم {لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أي الجميع ملكه وتحت قهره ومشيئته وهو القادر على كل شيء.






التوقيع

رد مع اقتباس
قديم 12-11-2007, 05:10 مساءً   رقم المشاركة : 22
:+: مراقب عام :+:
ابن بطوطه المنتدى
 
الصورة الرمزية احمد الدليمي
ملف العضو






 
حالة الاتصال
احمد الدليمي غير متواجد حالياً

 
احمد الدليمي سوف يصبح مبدعاً


 

افتراضي

سورة الأنعام



انفراد الله بالألوهية والوحدانية

موقف الكفار من دعوات الأنبياء

مطالب الكفار والردّ عليها

الدعوة إلى العظة والاعتبار بآثار من خلا من الأمم

أدلة للاحتجاج على المشركين المنكرين

إيجاب التوحيد والبراءة من الشرك

تبرؤ المشركين من الشرك يوم القيامة

حال المشركين حين استماع القرآن

أمنية لن تتحقق

الدنيا والآخرة في الميزان

حزن النبي صلى الله عليه وسلم على تكذيب قومه وإعراضهم

صورة أخرى من الإعراض والعناد

إحاطة علم الله بجميع أحوال مخلوقاته

تصوير حال المشركين في الشدائد

عجز المخلوقات ومهمة الرسل المبشرين

إشارات تؤكد بشرية النبي صلى الله عليه وسلم

دعوة إلى عدم القنوت من رحمة الله

تبرُّؤ النبي صلى الله عليه وسلم من المشركين وما يعبدون

علم الله التام بالكليات والجزئيات

إنجاء الله المضطرين من ظلمات البر والبحر

ألوان مختلفة من العذاب

النهي عن مجالسة المستهزئين بالقرآن وأهل الكبائر

الثبات على الحق والهداية، والبعد عن الضلال والشرك

استعمال الحجج العقلية في إبطال مزاعم المشركين

أثر الإيمان الخالص في جلب الأمن والاستقرار

مهام الأنبياء وتفضيلهم على العالمين

علاقة القرآن بالكتب السماوية السابقة

عاقبة المفترين والمشركين

الأدلة الدامغة التي تثبت وجود الله وعلمه وإرادته

نفي المزاعم التي ينسبها المشركون إلى الله سبحانه وتعالى

الأمر بتبليغ الرسالة والإعراض عن المشركين

النهي عن مبادلة الكفار السباب والشتم والقبائح

عداوة الشياطين للأنبياء ومقاومتهم لدعوة الله وهدايته

تأييد الله نبيَّه صلى الله عليه وسلم بالقرآن الكريم

الدعوة إلى عدم الالتفات إلى ضلالات المشركين

موازنة بين أهل الإيمان وأهل الكفر

عاقبة المعرضين عن الحق

الكلمة الحاسمة في الردِّ على تَعنُّت المشركين

تقريع الظالمين وتهديد كافري الجن والأنس

غنى الله المطلق عن خلقه وإنذاره الكافرين بالهلاك في الدنيا والآخرة

شرائع العرب في جاهليتهم

إقامة الدلائل على إثبات الألوهية والربوبية لله تعالى

المحرَّمات من الأطعمة على المسلمين واليهود

دحض شبهة الجبرية وإقامة الحجة على المشركين

بيان أصول المحرَّمات قولاً وفعلاً

الغاية من إنزال التوراة ومكانة القرآن

وعيد الكفار وتهديدهم

التحذير من التفرق في الدين

الجزاء على العمل

تبيين الدين القيِّم والصراط المستقيم

تفاوت درجات الناس مع كونهم مستخلفين في الأرض



بَين يَدَيْ السُّورَة



سورة الأنعام إِحدى السور المكية الطويلة التي يدور محورها حول "العقيدة وأصول الإِيمان" وهي تختلف في أهدافها ومقاصدها عن السور المدنية التي سبق الحديث عنها كالبقرة، آل عمران، والنساء، والمائدة، فهي لم تعرض لشيءٍ من الأحكام التنظيمية لجماعة المسلمين، كالصوم والحج والعقوبات وأحكام الأسرة، ولم تذكر أمور القتال ومحاربة الخارجين على دعوة الإِسلام، كما لم تتحدث عن أهل الكتاب من اليهود والنصارى ولا على المنافقين، وإِنما تناولت القضايا الكبرى الأساسية لأصول العقيدة والإِيمان، وهذه القضايا يمكن تلخيصها فيما يلي:

1- قضية الألوهية 2- قضية الوحي والرسالة 3- قضية البعث والجزاء.



* نجد الحديث في هذه السورة مستفيضاً يدور حول هذه الأصول الأساسية للدعوة الإِسلامية، ونجد سلاحها في ذلك الحجة الدامغة، والدلائل الباهرة، والبرهان القاطع في طريق الإِلزام والإِقناع لأن السورة نزلت في مكة على قوم مشركين. ومما يلفت النظر في السورة الكريمة أنها عرضت لأسلوبين بارزين لا نكاد نجدهما بهذه الكثرة في غيرها من السور هما: 1- أسلوب التقرير 2- أسلوب التلقين.



* أما الأول: "أسلوب التقرير" فإِن القرآن يعرض الأدلة المتعلقة بتوحيد الله والدلائل المنصوبة على وجوده وقدرته، وسلطانه وقهره، في صورة الشأن المسلَّم، ويضع لذلك ضمير الغائب عن الحسّ الحاضر في القلب الذي لا يماري فيه قلب سليم ولا عقل راشد في أنه تعالى المبدع للكائنات صاحب الفضل والإِنعام فيأتي بعبارة "هو" الدالة على الخالق المدبر الحكيم، استمع قوله تعالى {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ } .. {وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ } .. {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ} .. {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ } .. {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ....} إلخ.



* أما الثاني: "أسلوب التلقين" فإِنه يظهر جليا في تعليم الرسول صلى الله عليه وسلم تلقين الحجة ليقذف بها في وجه الخصم بحيث تأخذ عليه سمعه، وتملك عليه قلبه فلا يستطيع التخلص أو التفلت منها، ويأتي هذا الأسلوب بطريق السؤال والجواب يسألهم ثم يجيب استمع إِلى الآيات الكريمة {قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} .. {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلْ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ }.. {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ} .. {وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آية مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آية وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ} وهكذا تعرض السورة الكريمة لمناقشة المشركين وإِفحامهم بالحجج الساطعة والبراهين القاطعة التي تقصم ظهر الباطل. ومن هنا كانت سورة الأنعام بين السور المكية ذات شأن في تركيز الدعوة الإِسلامية، تقرر حقائقها، وتثبّت دعائمها، وتفنّد شبه المعارضين لها بطريق التنويع العجيب في المناظرة والمجادلة، فهي تذكر توحيد الله جلَّ وعلا في الخلق والإِيجاد، وفي التشريع والعبادة، وتذكر موقف المكذبين للرسل وتقص عليهم ما حاق بأمثالهم السابقين، وتذكر شبههم في الوحي والرسالة، وتذكر يوم البعث والجزاء، وتبسط كل هذا بالتنبيه إِلى الدلائل في الأنفس والآفاق، وفي الطبائع البشرية وقت الشدة والرخاء .. وتذكر أبا الأنبياء إِبراهيم وجملة من أبنائه الرسل وترشد الرسول صلى الله عليه وسلم إِلى اتباع هداهم وسلوك طريقهم في احتمال المشاق وفي الصبر عليها، وتعرض لتصوير حال المكذبين يوم الحشر، وتفيض في هذا بألوان مختلفة ثم تعرض لكثير من تصرفات الجاهلية التي دفعهم إِليها شركهم فيما يختص بالتحليل والتحريم وتقضي عليه بالتفنيد والإِبطال، ثم تختم السورة بعد ذلك - في ربع كامل - بالوصايا العشر التي نزل في كل الكتب السابقة، ودعا إِليها جميع الأنبياء السابقين {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ..} الآية وتنتهي بآية فذة تكشف للإِنسان عن مركزه عند ربه في هذه الحياة. وهو أنه خليفةٌ في الأرض، وأن الله سبحانه جعل عمارة الكون تحت يد الإِنسان تتعاقب عليها أجياله، ويقوم اللاحق منها مقام السابق، وأن الله سبحانه قد فاوت في المواهب بين أفراد الإِنسان لغاية سامية وحكمة عظيمة وهي "الابتلاء والاختبار" في القيام بتبعات هذه الحياة، وذلك شأن يرجع إِليه كمال المقصود من هذا الخلق وذلك النظام {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا ءاتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ}.



التسميَة:

سميت بـ "سورة الأنعام" لورود ذكر الأنعام فيها {وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا ..} ولأن أكثر أحكامها الموضحة لجهالات المشركين تقرباً بها إلى أصنامهم مذكورة فيها، ومن خصائصها ما روي عن ابن عباس أنه قال: نزلت سورة الأنعام بمكة ليلاً جملةً واحدة، حولها سبعون ألف ملك يجأرون بالتسبيح.





انفراد الله بالألوهية والوحدانية



{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ(1)هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ(2)وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ(3)}



{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ} بدأ تعالى هذه السورة بالحمد لنفسه تعليماً لعباده أن يحمدوه بهذه الصيغة الجامعة لصنوف التعظيم والتبجيل والكمال وإعلاماً بأنه المستحق لجميع المحامد فلا نِدَّ له ولا شريك، ولا نظير ولا مثيل ومعنى الآية: احمدوا الله ربكم المتفضل عليكم بصنوف الإِنعام والإِكرام الذي أوجد وأنشأ وابتدع خلق السماوات والأرض بما فيهما من أنواع البدائع وأصناف الروائع، وبما اشتملا عليه من عجائب الصنعة وبدائع الحكمة، بما يدهش العقول والأفكار تبصرة وذكرى لأولي الأبصار {وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} أي وأنشأ الظلمات والأنوار وخلق الليل والنهار يتعاقبان في الوجود لفائدة العوالم بما لا يدخل تحت حصر أو فكر، وجمع الظلمات لأن شعب الضلال متعددة، ومسالكه متنوعة، وأفرد النور لأن مصدره واحد هو الرحمن منوّر الأكوان قال في التسهيل: وفي الآية ردٌّ على المجوس في عبادتهم للنار وغيرها من الأنوار، وقولهم إِن الخير من النور والشر من الظلمة، فإِن المخلوق لا يكون إِلهاً ولا فاعلاً لشيء من الحوادث {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُون} أي ثم بعد تلك الدلائل الباهرة والبراهين القاطعة على وجود الله ووحدانيته يشرك الكافرون بربهم فيساوون به أصناماً نحتوها بأيديهم، وأوهاماً ولّدوها بخيالهم، ففي ذلك تعجيب من فعلهم وتوبيخ لهم قال ابن عطية: الآية دالة على قبح فعل الكافرين لأن المعنى أن خلقه السموات والأرض وغيرها قد تقرر، وءاياته قد سطعت، وإِنعامه بذلك قد تبين، ثم بعد هذا كله قد عدلوا بربهم فهذا كما تقول: يا فلان أعطيتُك وأكرمتُك وأحسنتُ إِليك ثم تشتمني؟ أي بعد وضوح هذا كله {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ} أي خلق أباكم آدم من طين {ثُمَّ قَضَى أَجَلاً} أي حكم وقدَّر لكم أجلاً من الزمن تموتون عند انتهائه {وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ} أي وأجلٌ مسمّى عنده لبعثكم جميعاً، فالأجل الأول الموتُ والثاني البعثُ والنشور {ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ} أي ثم أنتم أيها الكفار تشكّون في البعث وتنكرونه بعد ظهور تلك الآيات العظيمة {وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ} أي هو الله المعظّم المعبود في السماوات والأرض قال ابن كثير: أي يعبده ويوحده ويقر له بالألوهية من في السماوات والأرض ويدعونه رغباً ورهباً ويسمونه الله {يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ} أي يعلم سركم وعَلَنكم {وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ} أي من خير أو شر وسيجازيكم عليه.



موقف الكفار من دعوات الأنبياء



{وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ ءاية مِنْ ءايات رَبِّهِمْ إِلا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ(4)فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُون(5)أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا ءاخَرِينَ(6)}



ثم أخبر تعالى عن عنادهم وإِعراضهم فقال {وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ ءاية مِنْ ءايات رَبِّهِمْ} أي ما يظهر لهم دليل من الأدلة أو معجزة من المعجزات أو ءاية من ءايات القرآن {إِلا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ} أي إلاّ تركوا النظر فيها ولم يلتفتوا إليها قال القرطبي: والمراد تركهم النظر في الآيات التي يجب أن يستدلوا بها على توحيد الله عز وجل، والمعجزات التي أقامها لنبيه صلى الله عليه وسلم التي يستدل بها على صدقه في جميع ما أتى به عن ربه {فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُمْ} أي كذبوا بالقرآن الذي جاءهم من عند الله{فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُون} أي سوف يحل بهم العقاب إن عاجلاً أم آجلاً ويظهر لهم خبر ما كانوا به يستهزئون، وهذا وعيدٌ بالعذاب والعقاب على استهزائهم، ثم حضهم تعالى على الاعتبار بمن سبقهم من الأمم فقال {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ} أي ألا يعتبرون بمن أهلكنا من الأمم من قبلهم لتكذيبهم الأنبياء ألا يعرفوا ذلك؟ {مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ} أي منحناهم من أسباب السعة والعيش والتمكين في الأرض ما لم نعطكم يا أهل مكة {وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا} أي أنزلنا المطر غزيراً متتابعاً يدرُ عليهم درّاً {وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ} أي من تحت أشجارهم ومنازلهم حتى عاشوا في الخِصب والريف بين الأنهار والثمار{فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ} أي فكفروا وعصوا فأهلكناهم بسبب ذنوبهم، وهذا تهديد للكفار أن يصيبهم مثل ما أصاب هؤلاء على حال قوتهم وتمكينهم في الأرض {وَأَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ} أي أحدثنا من بعد إِهلاك المكذبين قوماً آخرين غيرهم قال أبو حيان: وفيه تعريض للمخاطبين بإِهلاكهم إِذا عصوا كما أهلك من قبلهم.



مطالب الكفار والردّ عليها



{وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ(7)وَقَالُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الأَمْرُ ثُمَّ لا يُنظَرُونَ(8)وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ(9)}



{وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ} أي لو نزّلنا عليك يا محمد كتاباً مكتوباً على ورقٍ كما اقترحوا {فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ} أي فعاينوا ذلك ومسّوه باليد ليرتفع عنهم كل إِشكال ويزول كل ارتياب {لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ} أي لقال الكافرون عند رؤية تلك الآية الباهرة تعنتاً وعناداً ما هذا إِلا سحرٌ واضح، والغرضُ أنهم لا يؤمنون ولو جاءتهم أوضح الآيات وأظهر الدلائل {وَقَالُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ} أي هلاّ أنزل على محمد ملك يشهد بنبوته وصدقه و {لَوْلا} بمعنى هلاّ للتحضيض قال أبو السعود: أي هلاّ أُنزل عليه ملك بحيث نراه ويكلمنا أنه نبيّ وهذا من أباطيلهم المحقّقة وخرافاتهم الملفّقة التي يتعللون بها كلما ضاقت عليهم الحِيَل وعييت بهم العلل {وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الأَمْرُ} أي لو أزلنا الملك كما اقترحوا وعاينوه ثم كفروا لحقَّ إِهلاكهم كما جرت عادة الله بأن من طلب ءاية ثم لم يؤمن أهلكه الله حالاً { ثُمَّ لا يُنظَرُون} أي ثم لا يمهلون ولا يؤُخرون، والآية كالتعليل لعدم إِجابة طلبهم، فإِنهم - في ذلك الإِقتراح - كالباحث عن حتفه بظِلْفه {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلاً} أي لو جعلنا الرسول ملكاً لكان في صورة رجل لأنهم لا طاقة لهم على رؤية الملك في صورته {وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ} أي لخلطنا عليهم ما يخلطون عن أنفسهم وعلى ضعفائهم، فإنهم لو رأوا الملك في صورة إِنسان قالوا هذا إِنسانٌ وليسب بملك قال أبو عباس: لو أتاهم ملكٌ ما أتاهم إلا في صورة رجل لأنهم لا يستطيعون النظر إلى الملائكة من النور.



الدعوة إلى العظة والاعتبار بآثار من خلا من الأمم



{وَلَقَدْ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون(10)قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ(11)}.



ثم قال تعالى تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم {وَلَقَدْ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ} أي والله لقد استهزأ الكافرون من كل الأمم بأنبيائهم الذين بعثوا إِليهم {فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُون} أي أحاط ونزل بهؤلاء المستهزئين بالرسل عاقبة استهزائهم، وفي هذا الإِخبار تهديد للكفار {قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} أي قل يا محمد لهؤلاء المستهزئين الساخرين: سافروا في الأرض فانظروا وتأملوا ماذا حلّ بالكفرة قبلكم من العقاب وأليم العذاب لتعتبروا بآثار من خلا من الأمم كيف أهلكهم الله وأصبحوا عبرةً للمعتبرين.



أدلة للاحتجاج على المشركين المنكرين



{ قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ(12)وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(13)قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنْ الْمُشْرِكِينَ(14)قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ(15)مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ(16)}



{قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} أي قل يا محمد لمن الكائنات جميعاً خلقاً وملكاً وتصرفاً؟ والسؤال لإِقامة الحجة على الكفار فهو سؤال تبكيت {قُلْ لِلَّهِ} أي قل لهم تقريراً وتنبيهاً هي لله لأن الكفار يوافقون على ذلك بالضرورة لأنه خالق الكل إِما باعترافهم أو بقيام الحجة عليهم {كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} أي ألزم نفسه الرحمة تفضلاً وإِحساناً والغرضُ التلطف في دعائهم إِلى الإِيمان وإِنابتهم إِلى الرحمن {لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ} أي ليحشرنكم من قبوركم مبعوثين إِلى يوم القيامة الذي لا شك فيه ليجازيكم بأعمالكم {الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ} أي أضاعوها بكفرهم وأعمالهم السيئة في الدنيا فهم لا يؤمنون ولهذا لايقام لهم وزن في الآخرة وليس لهم نصيب فيها سوى الجحيم والعذاب الأليم {وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} أي لله عز وجل ما حلّ واستقر في الليل والنهار الجميع عباده وخلقه وتحت قهره وتصرفه، والمراد عموم ملكه تعالى لكل شيء {وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} أي السميع لأقوال العباد العليم بأحوالهم {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا} الاستفهام للتوبيخ أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين أغير الله أتخذ معبوداً {فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} أي خالقهما ومبدعهما على غير مثال سابق {وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ} أي هو جل وعلا يرْزق ولا يُرْزَق قال ابن كثير: أي هو الرازق لخلقه من غير احتياج إليهم {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ} أي قل لهم يا محمد إِن ربي أمرني أن أكون أول من أسلم لله من هذه الأمة {وَلا تَكُونَنَّ مِنْ الْمُشْرِكِينَ} أي وقيل لي: لا تكوننَّ من المشركين قال الزمخشري ومعناه: أُمرتُ بالإِسلام ونُهيت عن الشرك {قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} أي قل لهم أيضاً إِنني أخاف إِن عبدتُ غير ربي عذاب يوم عظيم هو يوم القيامة {مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ} أي من يصرف عنه العذاب فقد رحمه الله{وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ}أي النجاة الظاهرة.



إيجاب التوحيد والبراءة من الشرك



{وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(17)وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ(18)قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْءانُ لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ(19)}..



{وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ} أي إِن تنزل بك يا محمد شدةٌ من فقرٍ أو مرضٍ فلا رافع ولا صارف له إِلا هو ولا يملك كشفه سواه {وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أي وإِن يصبك بخيرٍ من صحةٍ ونعمة لا رادّ له لأنه وحده القادر على إِيصال الخير والضر، قال في التسهيل: والآية برهان على الوحدانية لانفراد الله تعالى بالضر والخير وكذلك ما بعد هذا من الأوصاف براهين ورد على المشركين {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ} قال ابن كثير: أي هو الذي خضعت له الرقاب وذلّت له الجبابرة وعنت له الوجوه وقهر كل شيء وهو الحكيم في جميع أفعاله الخبير بمواضع الأشياء.

{قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً} أي قل لهم يا محمد أي شيء أعظم شهادة حتى يشهد لي بأني صادقٌ في دعوى النبوة؟ {قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} أي أجبهم أنت وقل لهم الله يشهد لي بالرسالة والنبوة وكفى بشهادة الله لي شهادة قال ابن عباس: قال الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم قل لهم أي شيء أكبر شهادة فإِن أجابوك وإِلاّ فقل لهم الله شهيد بيني وبينكم {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْءانُ لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} أي وأوحي إِليَّ هذا القرآن لأنذركم به يا أهل مكة وأنذر كل من بلغه القرآن من العرب والعجم إِلى يوم القيامة قال ابن جزيّ: والمقصودُ بالآية الاستشهاد بالله - الذي هو أكبر شهادة - على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهادة الله بهذا هي علمه بصحة نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وإِظهار معجزته الدالة على صدقه{أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ ءالِهَةً أُخْرَى} استفهام توبيخ أي أئنكم أيها المشركون لتقرون بوجود آلهة مع الله؟ فكيف تشهدون أن مع الله آلهة أخرى بعد وضوح الأدلة وقيام الحجة على وحدانية الله؟ {قُلْ لا أَشْهَدُ} أي قل لهم لا أشهد بذلك {قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ} أي قل يا محمد إِنما أشهد بأن الله واحد أحدٌ، فرد صمد {وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ} أي وأنا بريء من هذه الأصنام.



تبرؤ المشركين من الشرك يوم القيامة



{ الَّذِينَ ءاتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ(20)وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآياتهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ(21)وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ(22)ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ(23)انظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ(24)}.



ثم ذكر تعالى أن الكفار بين جاهل ومعاند فقال {الَّذِينَ ءاتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ} يعني اليهود والنصارى الذين عرفوا وعاندوا يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم بحليته ونعته على ما هو مذكور في التوراة والإِنجيل كما يعرف الواحد منهم ولده لا يشك في ذلك أصلاً قال الزمخشري: وهذا استشهادٌ لأهل مكة بمعرفة أهل الكتاب وبصحة نبوته {الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ} أي أولئك هم الخاسرون لأنهم لم يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم بعد وضوح الآيات {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآياتهِ} الاستفهام إِنكاري ومعناه النفي أي لا أحد أظلم ممن اختلق على الله الكذب أو كذّب بالقرآن والمعجزات الباهرة وسمّاها سحراً قال أبو السعود: وكلمة {أو} للإِيذان بأن كلاً من الافتراء والتكذيب وحده بالغٌ غاية الإِفراط في الظلم، فكيف وهم قد جمعوا بينهما فأثبتوا ما نفاه الله ونفوا ما أثبته! قاتلهم الله أنّى يؤفكون {إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} أي لا يفلح المفتري ولا المكذّب وفيه إِشارة إِلى أن مدّعي الرسالة لو كان كاذباً لكان مفترياً على الله فلا يكون محلاً لظهور المعجزات {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا} أي اذكر يوم نحشرهم جميعاً للحساب ونقول لهم على رؤوس الأشهاد {أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} أي أين آلهتكم التي جعلتموها شركاء لله؟ قال البيضاوي: والمراد من الاستفهام التوبيخ و {تَزعُمون} أي تزعمونهم آلهة وشركاء مع الله فحذف المفعولان ولعله يحال بينهم وبين آلهتهم حينئذٍ ليفقدوها في الساعة التي علقوا بها الرجاء فيها قال ابن عباس: كل زعم في القرآن فهو كذب {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ} أي لم يكن جوابهم حين اختبروا بهذا السؤال ورأوا الحقائق {إِلا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} أي أقسموا كاذبين بقولهم والله يا ربنا ما كنا مشركين قال القرطبي: تبرؤوا من الشرك وانتفوا منه لما رأوا من تجاوزه ومغفرته للمؤمنين قال ابن عباس: يغفر الله لأهل الإِخلاص ذنوبهم فإِذا رأى المشركون ذلك قالوا تعالوا نقول: إِنّا كنا أهل ذنوب ولم نكن مشركين، فيختم على أفواههم وتنطق أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون {انظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ} أي انظر يا محمد كيف كذبوا على أنفسهم بنفي الإِشراك عنها أمام علاّم الغيوب، وهذا للتعجيب من كذبهم الصريح {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} أي تلاشى وبطل ما كانوا يظنونه من شفاعة آلهتهم وغاب عنهم ما كانوا يفترونه على الله من الشركاء.



حال المشركين حين استماع القرآن







{ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي ءاذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ ءاية لا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ(25)وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ(26)}



ثم وصف تعالى حال المشركين حين استماع القرآن فقال {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ} أي ومن هؤلاء المشركين من يصغي إِليك يا محمد حين تتلو القرآن {وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ} أي جعلنا على قلوبهم أغطية لئلا يفقهوا القرآن {وَفِي ءاذَانِهِمْ وَقْرًا} أي ثقلاً وصمماً يمنع من السمع قال ابن جزي: والمعنى أن الله حال بينهم وبين فهم القرآن إِذا استمعوه وعبّر بالأكنَّة والوقر مبالغة {وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ ءاية لا يُؤْمِنُوا بِهَا} أي مهما رأوا من الآيات والحجج البيّنات لا يؤمنوا بها لفرط العناد {حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ} أي بلغوا من التكذيب والمكابرة إِلى أنهم إِذا جاءوك مجادلين يقولون عن القرآن ما هذا إلا خرافات وأباطيل الأولين {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ} أي هؤلاء المشركون المكذبون ينهون الناس عن القرآن وعن اتباع محمد عليه السلام ويُبعدونهم عنه ولا يدعون أحداً ينتفع {وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} أي وما يهلكون ولا يعود وباله إِلا عليهم ولا يشعرون.



أمنية لن تتحقق



{وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيات رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ(27)بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ(28)وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ(29)}



{وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ} أي لو ترى يا محمد هؤلاء المشركين إِذ عرضوا على النار لرأيت أمراً عظيماً تشيب لهوله الرؤوس قال البيضاوي: وجواب {لَوْ} محذوف تقديره لرأيت أمراً شنيعاً وإِنما حذف ليكون أبلغ ما يقدره السامع {فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيات رَبِّنَا} أي تمنّوا الرجوع إِلى الدنيا ليعلموا عملاً صالحاً ولا يكذبوا بآيات الله {وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} أي إِذا رجعنا إِلى الدنيا نصدّق ونؤمن بالله إيماناً صادقاً فتمنوا العودة ليصلحوا العمل ويتداركوا الزلل قال تعالى ردّاً لذلك التمني {بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ} أي ظهر لهم يوم القيامة ما كانوا يخفون في الدنيا من عيوبهم وقبائحهم فتمنوا ذلك {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} أي لو ردّوا - على سبيل الفرض لأنه لا رجعة إِلى الدنيا بعد الموت - لعادوا إلى الكفر والضلال وإِنهم لكاذبون في وعدهم بالإِيمان {وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} أي قال أولئك الكفار الفجار ما هي إِلا هذه الحياة الدنيا ولا بعث ولا نشور.



الدنيا والآخرة في الميزان



{وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ(30)قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ(31)وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ(32)}.



{وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ} أي لو ترى حالهم إِذ حُبسوا للحساب أمام رب الأرباب كما يوقف العبد الجاني بين يدي سيده للعقاب، وجواب {لَوْ} محذوف للتهويل من فظاعة الموقف {قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ} أي أليس هذا المعاد بحق؟ والهمزة للتقريع على التكذيب {قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا} أي قالوا بلى والله إِنه لحق {قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ} أي ذوقوا العذاب بسب كفرهم في الدنيا وتكذيبهم رسل الله، ثم أخبر تعالى عن هؤلاء الكفار فقال {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ} أي لقد خسر هؤلاء المكذبون بالبعث {حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً} أي حتى إِذا جاءتهم القيامة فجأةً من غير أن يعرفوا وقتها قال القرطبي: سميت القيامة بالساعة لسرعة الحساب فيها {قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا} أي قالوا يا ندامتنا على ما قصَّرنا وضيّعنا في الدنيا من صالح الأعمال {وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ} أي والحال أنهم يحملون أثقال ذنوبهم على ظهورهم قال البيضاوي: وهذا تمثيلٌ لاستحقاقهم آصار الآثام وقال {عَلَى ظُهُورِهِمْ} لأن العادة حمل الأثقال على الظهور، قال ابن جزي: وهذا كناية عن تحمل الذنوب، وقيل إِنهم يحملونها على ظهورهم حقيقة فقد رُوي أن الكافر يركبه عمله بعد أن يتمثل له في أقبح صورة، وأن المؤمن يركب عمله بعد أن يتمثل في أحسن صورة {أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ} أي بئس ما يحملونه من الأوزار {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا لَعِبٌ وَلَهْوٌ} أي باطل وغرور لقصر مدتها وفناء لذتها {وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} أي الآخرة وما فيها من أنواع النعيم خير لعباد الله المتقين من دار الفناء لأنها دائمة لا يزول عنهم نعيمها ولا يذهب عنهم سرورها {أَفَلا تَعْقِلُونَ} أي أفلا تعقلون أن الآخرة خير من الدنيا.



حزن النبي صلى الله عليه وسلم على تكذيب قومه وإعراضهم



{قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيات اللَّهِ يَجْحَدُونَ(33)وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ(34)وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآية وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ(35)}.



ثم سلَّى تعالى نبيه لتكذيب قومه له فقال {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ} أي قد أحطنا علماً بتكذيبهم لك وحزنك وتأسفك عليهم قال الحسن: كانوا يقولون إِنه ساحر وشاعر وكاهن ومجنون {فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيات اللَّهِ يَجْحَدُونَ} أي فإِنهم في دخيلة نفوسهم لا يكذبونك بل يعتقدون صدقك ولكنهم يجحدون عن عناد فلا تحزن لتكذيبهم قال ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمى الأمين فعرفوا أنه لا يكذب في شيء ولكنهم كانوا يجحدون فكان أبو جهل يقول: ما نكذبك يا محمد وإِنك عندنا لمصدّق وإِنما نكذّب ما جئتنا به {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا} أي صبروا على ما نالهم من قومهم من التكذيب والاستهزاء {وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا} أي وأوذوا في الله حتى نصرهم الله، وفي الآية إرشادٌ إِلى الصبر، ووعدٌ له بالنصر {وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ} أي ولقد جاءك بعض أخبار المرسلين الذين كُذّبوا وأُوذوا كيف أنجيناهم ونصرناهم على قومهم فتسلَّ ولا تحزن فإِن الله ناصرك كما نصرهم {وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ} أي إِن كان إِعراضهم عن الإِسلام قد عظم وشقّ عليك يا محمد {فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ} أي إِن قدرت أن تطلب سرَباً ومسكناً في جوف الأرض {أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآية} أي مصعداً تصعد به إِلى السماء فتأتيهم بآية ممّا اقترحوه فافعل {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ} أي لو أراد الله لهداهم إِلى الإِيمان فلا تكوننَّ يا محمد من الذين يجهلون حكمة الله ومشيئته الأزلية.



صورة أخرى من الإعراض والعناد



{ إنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ(36)وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ ءاية مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ ءاية وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ(37)}.



{إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ} أي إِنما يستجيب للإِيمان الذين يسمعون سماع قبول وإصغاء، وهنا تمَّ الكلام ثم ابتدأ فقال{وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمْ اللَّهُ} قال ابن كثير: يعني بذلك الكفار لأنهم موتى القلوب فشبههم الله بأموات الأجساد، وهذا من باب التهكم بهم والإِزراء عليهم قال الطبري: يعني الكفار يبعثهم الله مع الموتى، فجعلهم تعالى ذكره في عداد الموتى الذين لا يسمعون صوتاً، ولا يعقلون دعاءً، ولا يفقهون قولاً، إذ كانوا لا يتدبرون حجج الله ولا يعتبرون بآياته ولا يتذكرون فينزجرون عن تكذيب رسل الله {ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} أي ثم مرجعهم إلى الله فيجازيهم بأعمالهم {وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ ءاية مِنْ رَبِّهِ} أي قال كفار مكة هلاّ نُزّل على محمد معجزة تدل على صدقه كالناقة والعصا والمائدة قال القرطبي وكان هذا منهم تعنتاً بعد ظهور البراهين وإقامة الحجة بالقرآن الذي عجزوا أن يأتوا بسورة من مثله {قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ ءاية} أي هو تعالى قادرٌ على أن يأتيهم بما اقترحوا {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ} أي لا يعلمون أن إنزالها يستجلب لهم البلاء لأنه لو أنزلها وَفْق ما طلبوا ثم لم يؤمنوا لعاجلهم بالعقوبة كما فعل الأمم السابقة.



إحاطة علم الله بجميع أحوال مخلوقاته



{وَمَا مِنْ دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَآئِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ(38)وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(39)}.



{وَمَا مِنْ دآبَّةٍ فِي الأَرْضِ} أي ما من حيوان يمشي على وجه الأرض {وَلا طَآئِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} أي ولا من طائر يطير في الجو بجناحيه {إِلا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} أي إلا طوائف مخلوقة مثلكم خلقها الله وقدَّر أحوالها وأرزاقها وآجالها قال البيضاوي: والمقصود من ذلك الدلالة على كمال قدرته وشمول علمه وسعة تدبيره ليكون كالدليل على أنه قادر على أن ينزّل ءاية {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} أي ما تركنا وما أغفلنا في القرآن شيئاً من أمر الدين يحتاج الناس إليه في أمورهم إلا بيّناه وقيل: إن المراد بالكتاب اللوح المحفوظ ويكون المعنى: ما تركنا في اللوح المحفوظ شيئاً لم نكتبه {ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} أي يجمعون فيقضي بينهم قال الزمخشري: يعني الأمم كلها من الدواب والطير فيعوضها وينصف بعضها من بعض كما روي أنه يأخذ للجماء من القرناء {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ} أي والذين كذبوا بالقرآن صمٌ لا يسمعون كلام الله سماع قبول بكمٌ لا ينطقون بالحق خابطون في ظلمات الكفر قال ابن كثير: وهذا مثل أي مثلهم في جهلهم وقلة علمهم وعدم فهمهم كمثل أصم وهو الذي لا يسمع، أبكم وهو الذي لا يتكلم، وهو مع هذا في ظلمات لا يبصر، فكيف يهتدى مثل هذا إلى الطريق أو يخرج مما هو فيه! {مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} أي من يشأ الله إضلاله يضلله ومن يشأ هدايته يرشده إلى الهدى ويوفقه لدين الإِسلام.



تصوير حال المشركين في الشدائد



{ قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ(40)بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ(41)وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ(42)فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(43)فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ(44)فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(45)}.



{قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ} استفهام تعجيب أي أخبروني إن أتاكم عذاب الله كما أتى من قبلكم أو أتتكم القيامة بغتة من تدعون؟ {أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} أي أتدعون غير الله لكشف الضر عنكم؟ إن كنتم صادقين في أن الأصنام تنفعكم {بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ} أي بل تخصونه تعالى بدعائكم في الشدائد فيكشف الضر الذي تدعونه إلى كشفه إن شاء كشفه {وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ} أي تتركون الآلهة فلا تدعونها لاعتقادكم أن الله تعالى هو القادر على كشف الضر وحده دون سواه {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ} هذه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي والله لقد أرسلنا رسلاً إلى أمم كثيرين من قبلك فكذبوهم {فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ} أي بالفقر والبؤس والأسقام والأوجاع {لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ} أي لكي يتضرعوا إِلى الله بالتذلل والإِنابة {فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا}.

لولا للتحضيض أي فهلا تضرعوا حين جاءهم العذاب، وهذا عتاب على ترك الدعاء وإِخبارٌ عنهم أنهم لم يتضرعوا مع قيام ما يدعوهم إلى التضرع {وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ} أي ولكن ظهر منهم النقيض حيث قست قلوبهم فلم تلن للإِيمان {وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} أي زين لهم المعاصي والإِصرار على الضلال {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ} أي لما تركوا ما وُعظوا به {فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ} أي من النعم والخيرات استدراجاً لهم {حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا} أي فرحوا بذلك النعيم وازدادوا بطراً {أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} أي أخذناهم بعذابنا فجأة فإذا هم يائسون قانطون من كل خير {فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا} أي استؤصلوا وهلكوا عن آخرهم {وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} أي على نصر الرسل وإهلاك الكافرين قال الحسن: مُكر بالقوم وربّ الكعبة، أُعطوا حاجتهم ثم أخذوا وفي الحديث إذا رأيتَ الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج ثم قرأ {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ}.



عجز المخلوقات ومهمة الرسل المبشرين



{قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيات ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ(46)قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ(47)وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ فَمَنْ ءامَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ(48)وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ(49)}.



{قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ} أي قل يا محمد لهؤلاء المكذبين المعاندين من أهل مكة أخبروني لو أذهب الله حواسكم فأصمكم وأعماكم {وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ} أي طبع على قلوبكم حتى زال عنها العقل والفهم {مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ} أي هل أحد غير الله يقدر على ردّ ذلك إليكم إِذا سلبه الله منكم؟ {انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيات ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ} أي انظر كيف نبيّن ونوضح الآيات الدالة على وحدانيتنا ثم هم بعد ذلك يعرضون عنها فلا يعتبرون {قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً} أي قل لهؤلاء المكذبين أخبروني إن أتاكم عذاب الله العاجل فجأة أو عياناً بالليل أو بالنهار {هَلْ يُهْلَكُ إِلا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ} الاستفهام إنكاري بمعنى النفي أي ما يهلك بالعذاب إلا أنتم لأنكم كفرتم وعاندتم {وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ} أي ما نرسل إلا لتبشير المؤمنين بالثواب، وإِنذار الكافرين بالعقاب، وليس إِرسالهم ليأتوا بما يقترحه الكافرون من الآيات {فَمَنْ ءامَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} أي فمن آمن بهم وأصلح عمله فلا خوف عليهم في الآخرة ولا هم يحزنون والمراد أنهم لا يخافون ولا يحزنون لأن الآخرة دار الجزاء للمتقين {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} أي وأما المكذبون بآيات الله فيمسهم العذاب الأليم بسبب فسقهم وخروجهم عن طاعة الله قال ابن عباس: يفسقون أي يكفرون.



إشارات تؤكد بشرية النبي صلى الله عليه وسلم



{قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ(50)وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ(51)وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ(52)وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ(53)}.



{قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ} أي قل يا محمد لهؤلاء الكفرة الذين يقترحون عليك تنزيل الآيات وخوارق العادات لستُ أدعي أن خزائن الله مفوضةٌ إلىَّ حتى تقترحوا عليَّ تنزيل الآيات ولا أدعي أيضاً أني أعلم الغيب حتى تسألوني عن وقت نزول العذاب {وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ} أي ولست أدعي أني من الملائكة حتى تكلفوني الصعود إلى السماء وعدم المشي في الأسواق وعدم الأكل والشرب قال الصاوي: وهذه الآية نزلت حين قالوا له إن كنت رسولاً فاطلب من ربك أن يوسّع علينا ويغني فقرنا وأخبرنا بمصالحنا ومضارنا فأخبر أن ذلك بيد الله سبحانه لا بيده. والمعنى: إني لا أدعي شيئاً من هذه الأشياء الثلاثة حتى تجعلوا عدم إِجابتي إلى ذلك دليلاً على عدم صحة رسالتي {إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ} أي ما أتّبع فيما أدعوكم إليه إلاّ وحي الله الذي يوحيه إليَّ {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ} أي هل يتساوى الكافر والمؤمن والضال والمهتدي؟ {أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ} تقريعٌ وتوبيخ أي أتسمعون فلا تتفكرون؟ {وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ} أي خوِّف يا محمد بهذا القرآن المؤمنين المصدقين بوعد الله ووعيده الذين يتوقعون عذاب الحشر قال أبو حيان: وكأنه قيل: أنذر بالقرآن من يُرجى إيمانُه وأما الكفرة المعرضون فدعهم ورأيهم {لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ} أي ليس لهم غير الله وليٌّ ينصرهم ولا شفيع يشفع لهم {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} أي أنذرهم لكي يتقوا الكفر والمعاصي {وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} ألا لا تطرد هؤلاء المؤمنين الضعفاء من مجلسك يا محمد الذين يعبدون ربَّهم دوماً في الصباح والمساء يلتمسون بذلك القرب من الله والدنوَّ من رضاه قال الطبري: نزلت الآية في سبب جماعة من ضعفاء المسلمين قال المشركون لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لو طردت هؤلاء عنك لغشيناك وحضرنا مجلسك وأراد النبي صلى الله عليه وسلم ذلك طمعاً في إسلامهم {مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ} أي لا تؤاخذ بأعمالهم وذنوبهم كقول نوح قال الصاوي: هذا كالتعاليل لما قبله والمعنى لا تؤاخذ بذنوبهم ولا بما في قلوبهم إن أرادوا بصحبتك غير وجه الله، وهذا على فرض تسليم ما قاله المشركون وإلا فقد شهد الله لهم بالإِخلاص {وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ} وهذا التأكيد لمطابقة الكلام والمعنى لا تؤاخذ أنت بحسابهم ولا هم بحسابك فلم تطردهم؟ وقيل إن المراد بالحساب الرزق، والمعنى ليس رزقهم عليك ولا رزقك عليهم وإنما يرزقك وإياهم الله رب العالمين {فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ} أي لا تطردهم فإنك إن طردتهم تكون من الظالمين، وهذا لبيان الأحكام وحاشاه من وقوع ذلك منه عليه السلام قال القرطبي: وهذا كقوله تعالى {لئِن أَشركْتَ لَيَحْبَطَنَّ عملك} وقد علم الله منه أنه لا يشرك ولا يحبط عمله {وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ} أي ابتلينا الغنيّ بالفقير والشريف بالوضيع {لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا} أي ليقول الأشراف والأغنياء أهؤلاء الضعفاء والفقراء منَّ الله عليهم بالهداية والسبق إِلى الإِسلام من دوننا!! قالوا ذلك إِنكاراً واستهزاءً كقولهم {أهذا الذي بعث الله رسولاً} قال تعالى رداً عليهم؟ {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ} أي الله أعلم بمن يشكر فيهديه ومن يكفر فيخزيه، والاستفهام للتقرير.



دعوة إلى عدم القنوت من رحمة الله



{ وَإِذَا جَآءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بآياتنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ(54)وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيات وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ(55)}.



{وَإِذَا جَاءكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بآياتنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ} قال القرطبي: نزلت في الذين نهى الله نبيه عليه الصلاة والسلام عن طردهم فكان إِذا رآهم بدأهم بالسلام وقال (الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أبدأهم بالسلام) وأُمر صلى الله عليه وسلم بأن يبدأهم بالسلام إِكراماً لهم وتطييباً لقلوبهم {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} أي ألزم نفسه الرحمة تفضلاً منه وإِحساناً {أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ} أي خطيئة من غير قصد قال مجاهد: أي لا يعلم حلالاً من حرام ومن جهالته ركب الأمر {ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} أي ثم تاب من بعد ذلك الذنب وأصلح عمله فإن الله يغفر له، وهو وعدٌ بالمغفرة والرحمة لمن تاب وأصلح {وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيات} أي كما فصلنا في هذه السورة الدلائل والحجج على ضلالات المشركين كذلك نبيّن ونوضّح لكم أمور الدين {وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} أي ولتتوضح وتظهر طريق المجرمين فينكشف أمرهم وتستبين سبلُهم.



تبرُّؤ النبي صلى الله عليه وسلم من المشركين وما يعبدون



{ قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ(56)قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ(57)قُلْ لَوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ(58)}.



{قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين إني نُهيت أن أعبد هذه الأصنام التي زعمتموها آلهة وعبدتموها من دون الله {قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْوَاءكُمْ} أي في عبادة غير الله، وفيه تنبيه على سبب ضلالهم {قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} أي قد ضللت إِن أتبعتُ أهواءكم ولا أكون في زمرة المهتدين {قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي} أي على بصيرة من شريعة الله التي أوحاها إِليّ {وَكَذَّبْتُمْ بِهِ} أي وكذبَّتم بالحق الذي جاءني من عند الله {مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ} أي ليس عندي ما أبادركم به من العذاب قال الزمخشري: يعني العذاب الذي استعجلوه في قولهم {فأمطر علينا حجارة من السماء} {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ} أي ما الحكم في أمر العذاب وغيره إلا لله وحده {يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ} أي يخبر الخبر الحق ويبينه البيان الشافي وهو خير الحاكمين بين عباده {قُلْ لَوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ} أي لو أن بيدي أمر العذاب الذي تستعجلونه {لَقُضِيَ الأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} أي لعجلته لكم لأستريح منكم ولكنه بيد الله قال ابن عباس: لم أهملكم ساعةً ولأهلكتكم {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ} أي هو تعالى أعلم بهم إِن شاء عاجلهم وإِن شاء أخرّ عقوبتهم، وفيه وعيد وتهديد.



علم الله التام بالكليات والجزئيات



{وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ(59)وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ(60)وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ(61)ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ(62)}



{وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ} أي عند الله خزائن الغيب وهي الأمور المغيّبة الخفيّة لا يعلمها ولا يحيط بها إِلا هو {وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} أي ويعلم ما في البر والبحر من الحيوانات الجميلة وتفصيلاً وفي كلٍ عوالم وعجائب وسعها علمه وقدرته {وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا} مبالغةٌ في إِحاطة علمه بالجزئيات أي لا تسقط ورقة من الشجر إِلا يعلم وقت سقوطها والأرض التي تسقط عليها {وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ} أي ولا حبة صغيرة في باطن الأرض إِلا يعلم مكانها وهل تنبت أو لا وكم تنبتُ ومن يأكلها {وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} أي ولا شيءٍ فيه رطوبة أو جفاف إِلا وهو معلوم عند الله ومسجّل في اللوح المحفوظ قال أبو حيان: وانظر إِلى حسن ترتيب هذه المعلومات: بدأ أولاً بأمرٍ معقول لا ندركه نحن بالحسّ وهو{مَفَاتِحُ الْغَيْبِ} ثم ثانياً بأمرٍ ندرك كثيراً منه بالحسّ وهو {الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} ثم ثالثاً بجزأين لطيفين أحدهما علوي وهو سقوط الورقة من علوّ والثاني سفلي وهو اختفاء حبةٍ في بطن الأرض فدل ذلك على أنه تعالى عالمٌ بالكليّات والجزئيات {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ} أي ينيمكم بالليل ويعلم ما كسبتم من العمل بالنهار قال القرطبي: وليس ذلك موتاً حقيقةً بل هو قبض الأرواح، قال ابن عباس: يقبض أرواحكم في منامكم، وفي هذا اعتبار واستدلالٌ على البعث الأخروي {ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى} أي ثم يوقظكم في النهار لتبلغوا الأجل المسمّى لانقطاع حياتكم، والضمير عائد على النهار لأن غالب اليقظة فيه وغالب النوم بالليل {ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ} أي ثم مرجعكم إِليه يوم القيامة {ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} أي يخبركم بأعمالكم ويجزيكم عليها إِن خيراً فخيرٌ، وإِن شراً فشرٌّ، ثم ذكر تعالى جلاله عظمته وكبريائه فقال {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} أي هو الذي قهر كل شيء وخضع لجلاله وعظمته وكبريائه كل شيء {وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً} أي ملائكة تحفظ أعمالكم وهم الكرام الكاتبون قال أبو السعود: وفي ذلك حكمة جميلة ونعمة جليلة لأن المكلّف إِذا علم أن أعماله تُحفظ عليه وتعرض على رؤوس الأشهاد كان ذلك أزجر له عن تعاطي المعاصي والقبائح {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا} أي حتى إِذا انتهى أجل الإِنسان توفته الملائكة الموكلون بقبض الأرواح والمعنى أن حفظ الملائكة للأشخاص ينتهي عند نهاية الأجل فهم مأمورون بحفظ ابن آدم ما دام حياً فإِذا انتهى أجله فقد انتهى حفظهم له {وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ} أي لا يقصّرون في شيءٍ مما أُمروا به من الحفظ والتوفي {ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ} أي ثم يردُّ العباد بعد البعث إِلى الله خالقهم ومالكهم الذي له الحكم والتصرف والذي لا يقضي إِلا بالعدل {أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ} أي له جل وعلا الحكم وحده يوم القيامة وله الفصل والقضاء لا يشغله حساب عن حساب ولا شأن عن شأن، يحاسب الخلائق كلهم في مقدار نصف يوم من أيام الدنيا كما ورد به الحديث وروي أنه يحاسب الناس في مقدار حلب شاة.



إنجاء الله المضطرين من ظلمات البر والبحر



{قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ(63)قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ(64)}.



{قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} أي قل يا محمد لهؤلاء الكفرة من ينقذكم ويخلصكم في أسفاركم من شدائد وأهوال البر والبحر؟ {تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} أي تدعون ربكم عند معاينة هذه الأهوال مخلصين له الدعاء مظهرين الضراعة، تضرعاً بألسنتكم وخفية في أنفسكم قال ابن عباس المعنى: تدعون ربكم علانيةً وسراً قائلين {لَئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} أي لئن خلّصتنا من هذه الظلمات والشدائد لنكوننَّ من المؤمنين الشاكرين والغرض: إِذا خفتم الهلاك دعوتموه فإِذا نجّاكم كفرتموه قال القرطبي: وبّخهم الله في دعائهم إِيّاه عند الشدائد وهم يدعون معه في حالة الرخاء غيره {قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ} أي الله وحده ينجّيكم من هذه الشدائد ومن كل كربٍ وغمّ {ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ} تقريعٌ وتوبيخ أي ثم أنتم بعد معرفتكم بهذا كله وتحققه تشركون به ولا تؤمنون.



ألوان مختلفة من العذاب



{ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيات لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ(65)وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ(66)لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ(67)}.



{قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ} أي قل يا محمد لهؤلاء الكفرة إِنه تعالى قادر على إِهلاككم بإِرسال الصواعق من السماء وما تلقيه البراكين من الأحجار والحُمَم وكالرجم بالحجارة والطوفان والصيحة والريح كما فُعل بمن قبلكم {أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ} بالخسف والزلازل والرجفة كما فُعل بقارون وأصحاب مدين {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ} أي يجعلكم فرقاً متحزبين يقاتل بعضكم بعضاً قال البيضاوي: أي يخلطكم فرقاً متحزبين على أهواء شتّى فينشب القتال بينكم وقال ابن عباس: أي يبث فيكم الأهواء المختلفة فتصيرون فرقاً، والكل متقارب والغرض منه الوعيد {انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيات لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ} أي انظر كيف نبيّن ونوضّح لهم الآيات بوجوه العِبَر والعظات ليفهموا ويتدبروا عن الله ءاياته وبراهينه وحججه، عن جابر بن عبد الله قال: لما نزلت هذه الآية {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعوذ بوجهك {أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ} قال: أعوذ بوجهك {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذه أهون وأيسر {وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ} أي وكذَّب بهذا القرآن قومك يا محمد - وهم قريش - وهو الكتاب المنزّل بالحق {قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ} أي لستُ عليكم بحفيظ ومتسلّط إِنما أنا منذر {لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ} أي لكل خبرٍ من أخبار الله عز وجل وقتٌ يقع فيه من غير خُلْفٍ ولا تأخير {وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} مبالغة في الوعيد والتهديد أي سوف تعلمون ما يحل بكم من العذاب.



النهي عن مجالسة المستهزئين بالقرآن وأهل الكبائر



{ وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي ءاياتنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ(68)وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ(69)وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ(70)}.



{وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي ءاياتنَا} أي إِذا رأيت هؤلاء الكفار يخوضون في القرآن بالطعن والتكذيب والاستهزاء {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} أي لا تجالسهم وقم عنهم حتى يأخذوا في كلامٍ آخر ويدعوا الخوض والاستهزاء بالقرآن قال السدي: كان المشركون إِذا جالسوا المؤمنين وقعوا في النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن فسبّوه واستهزؤوا به فأمرهم الله ألاّ يقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره {وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ} أي إِن أنساك الشيطان النهي عن مجالستهم فجالستهم ثم تذكرت {فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} أي لا تجلس بعد تذكر النهي مع الكفرة والفسّاق الذين يهزؤون بالقرآن والدين قال ابن عباس: أي قم إِذا ذكرت النهي ولا تقعد مع المشركين {وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ} أي ليس على المؤمنين شيء من حساب الكفار على استهزائهم وإِضلالهم إِذا تجنبوهم فلم يجلسوا معهم {وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} أي ولكنْ عليهم أن يذكّروهم ويمنعوهم عمّا هم عليه من القبائح بما أمكن من العظة والتذكير، ويُظهروا لهم الكراهة لعلهم يجتنبون الخوض في القرآن حياءً من المؤمنين إِذا رأوهم قد تركوا مجالستهم قال ابن عطية: ينبغي للمؤمن أن يتمثل حكم هذه الآية مع الملحدين وأهل الجدل والخوض فيه {وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا} أي اترك هؤلاء الفجرة الذين اتخذوا الدين الذي كان ينبغي احترامه وتعظيمه لعباً ولهواً باستهزائهم به {وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} أي خدعتهم هذه الحياة الفانية حتى زعموا أن لا حياة بعدها أبداً {وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ} أي وذكّر بالقرآن الناس مخافة أن تُسْلم نفسٌ للهلاك وتُرهن بسوء عملها {لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ} أي ليس لها ناصرٌ ينجيها من العذاب ولا شفيع يشفع لها عند الله{وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْهَا} أي وإِن تُعْط تلك النفس كل فدية لا يقبل منها قال قتادة: لو جاءت بملء الأرض ذهباً لم يُقبل منها {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا} أي أُسلموا لعذاب الله بسبب أعمالهم القبيحة وعقائدهم الشنيعة {لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ} أي لهؤلاء الضالين شرابٌ من ماء مغليّ يتجرجر في بطونهم وتتقطع به أمعاؤهم، ونارٌ تشتعل بأبدانهم بسبب كفرهم المستمر فلهم مع الشراب الحميم العذاب الأليم والهوان المقيم.






التوقيع

رد مع اقتباس