بسم الله الرحمن الرحيم
الحب العذري..!!
(1-2)
ما هو الحب ؟ :
أنه عبارة عن حالة نفسية تستمد معينها من غرائز والدافع نظاما مرتبا من الانفعالات تتحد في عاطفة واحده قوامها تعلق بالشيء المحبوب مراتب يشعر فيها بدوام الشوق واللهف إلى المحبوب في حالتي حضوره وغيابه ويتمنى لو تمكن أن يتحد به فلا ينفصل عنه فيصبح الاثنان واحدا والروحان روحا .
وهنا جدير بنا أن نبين حقائق مهمة تتعلق في خلط الكثيرون بين الشهوة الجنسية وبين الحب ، فالحب عند كثير من الناس لا يزيد على توجيه الدافع الجنسي إلى شخص معين إذا لا يعدو أن يكون مظهرا فجا من مظاهر الغريزة الجنسية ينتهي بإشباعها وتطمينها ولا يمتد إلى أكثر من ذلك .
وعلينا في هذا المقام أن نميز بين أمرين : الدافع الجنسي وهو المظهر الغريزي الذي يبدو في الاشتهاء الجنسي وبين الحب وهو الدافع الجنسي مقرونا بدوافع أخرى مستمدة من غرائز أخرى.
فالشهوة حاجة فسيولوجية تشبه الحاجة إلى الطعام والشراب تلك التي يعبر عنها بالجوع ويعبر عن الأولى بالجوع الجنسي .
ومن علماء النفس من يرى أن الحب عاطفة ومنهم من يرى أنه انفعال مركب والفرق بين هذين أن الأول مجموعة مرتبة من الانفعالات تدخل عناصر عقلية تمتاز بالثبات والاستقرار ، والثاني عقدة أو تركيب انفعالي ذو قوة دائمة فيه حماس وفيه شدة وفيه تركيز الانتباه إلى شيء يعينه ، فهو إذا مجموعة من الانفعالات مصدرها دوافع غريزية إذا تحللت من تركيبها ظهرت في شكل رغبات شعورية وميول واضحة تثار في وجهات متضاربة ، وليس هذا الاختلاف ضروريا إذ يبدو أن هاتين مرحلتان في الحب تسلم أحدهما إلى الأخرى وهذا يظهر أدنى إلى الصواب .
ولقد حلل هربرت سبنسر عاطفة الحب إلى تسعة عناصر : -
• الدافع الجنسي .
• الشعور بالجمال .
• الانجذاب .
• الإعجاب والاحترام .
• حب الاستحسان .
• إكبار النفس .
• الشعور بالملك .
• اتساع حرية الفعالية نتيجة تحرر الشخصية .
• صفاء المودة . [الحب العذري نشأته وتطوره ص 15 -18]
أصناف الحب :
وقد عقد أبو منصور الثعالبي في كتابه (فقه اللغة) فصلا في ترتيب الحب وتفصيله وقال فيه "أول مراتب الحب الهوى ثم العلاقة وهي الحب اللازم للقلب ثم الكلف وهو شدة الحب ثم العشق وهو اسم لما فضل عن المقدار الذي اسمه الحب ثم الشغف وهو إحراق القلب مع لذة يجدها كذلك اللوعة واللاعج .. ثم الشغف وهو أن يبلغ شغاف القلب وهي جلدة دونه ، ثم التتيم وهو أن يستبعده الحب .. ومنه رجل متيم ثم التبل وهو أن يسقمه الهوى ومنه رجل متبول ثم التدليه وهو ذهاب العقل من الهوى ومنه رجل مدله ثم الهيوم وهو أن يذهب على وجهة لغلبة الهوى عليه ومنه رجل هائم " [فقه اللغة لثعالبي ص116 نقلا من كتاب الحب العذري نشأته وتطوره ص27] .
وقد عرض ستندال وهو فرنسي من القرن التاسع عشر لتصنيف الحب فجعله أربعة أصناف : -
• الحب العاطفي .
• الحب الإستلطافي .
• الحب الحسي .
• الحب العابث أو الكمالي .
فأما الصنف الأول فهو الحب الذي يمتاز بالقوة والعنف وشدة التعلق ويقترن بالشوق الشديد الجارف .
وأما الثاني فلا يعدو أن يكون ألفه وصداقة قوامها خفة الظل والقرب من النفس .
والصنف الثالث هو الاشتهاء الجنسي وهو لا يستحق أن يضاف إلى الحب إنما هو ضرب من الإيثار الجنسي لشخص دون غيره .
والصنف الرابع ضرب من الترف وهو ولع الرجل بامرأة جميلة كما يولع بالفرس الجميلة على اعتبارها شيئا لا بد منه لشاب المترف .
تاريخ الحب العذري :
ينسب الحب العذري إلى قبيلة عذره وهذه قبيلة لها أعمال مجيدة في أيام العرب ، وأن رجالها من أفصح العرب وبشهادة عبدالملك في قوله عن آل عذرة "أولئك أفصح الناس" [الأغاني ج7 ص54] .
وقد ورد في الكتب الأدبية روايات عن بني عذره وعن حبهم الغريب حتى قالوا فيهم الأقاويل "فهم قبيلة مشهورة بالعشق في قبائل العرب وإليهم ينسب الهوى العذري لأنهم أشد خلق الله عشقا" وهم "أشد الناس غراما وأعظمهم هياما .. والعشق فيهم كثير والمقتول مهم جم غفير" .
وقالوا عنهم "أنه ليس حي أصدق في الحب من بني عذره ولا تضرب الأمثال إلا بهم" وقيل فيهم "أنهم اشتهروا برقة قلوبهم وصدق المقة ِ مع العفاف وتجنب الآثام " .
وحبهم ذو لون خاص يميزه من حب بقية الناس "فهم يستلذون مرارة العشق مثل الضرب ، جبُات المحبة طينتهم ، وجنيت الموجة من لينتهم ، وصار الهوى وصفهم الذي لا ينفك .. فمنهم يموت من أوام غرامه ، ومنهم من يموت بهيام سقامه" .
وهم لا يؤمنون بغير هذا النوع العذري من الحب "فالحب إذا نكح فسد" على رأي أحد فتيانهم . [الحب العذري لموسى سليمان ص36-37] .
والذي يدعو إلى الحيرة والدهشة حصر هذا النوع من الحب في قبيلة واحدة هي قبيلة بني عذره ، وإن الباحث ليتساءل عن اشتهار هذه القبيلة بحبها دون غيرها ، لا سيما أن المحيط الوحيد ، والبلاد واحدة ، والقوم كلهم يعيشون حياة تكاد تكون واحدة ، وان اختلفت في ظاهرة بعض الاختلاف .
نتساءل ، في كثير الدهشة ، كأن بني عذره وعشاقهم كانوا من طينة غير طينة البشر ، وكأنهم ، بما عرف في نسائهم من صباحه وبما اشتهر عن فتيانهم من عفة ، وقد جبلوا من طينة ملائكة ولم تثر في صدورهم العاطفة البشرية التي تثور فيّ وفيك وفي كل بشري ! .
ومن الظاهر من الروايات أن الرواة العرب قد بالغوا في مازعموه عن بني عذره وعشاقهم حتى أخرجوهم من طبقة الناس ووضعوهم في مصاف الآلهة .
علامات الحب العذري :
أبرز هذه العلامات الهزال والاصفرار ، والنحول حتى الموت من علامات الهوى العذري بل هي من أدق خصائصه ، ومنها هذا استرسلوا في تعريف العشاق العذرين فادعوا أن العاشق منهم لا يمكنه أن يكون سمينا ، محبا للأكل ، وقد أنشد أحد الأعراب /
فلو كنت عذري العلاقة لم تكن
سمينا ، وأنساك الهوى كثرة الأكل
واشتهر العشاق العذريون بموتهم في سبيل حبيباتهم حتى ذاع صيتهم بين القبائل وضربت بحبهم الأمثال . [الحب العذري لموسى سليمان ص36] .