الفصل الأول
حكم الأضحية وشروطها
المبحث الأول
تعريف الأضحية لغةً واصطلاحاً
تعريف الأضحية لغةً : الأضحية في لغة العرب فيها أربع لغات كما نقل الجوهري عن الأصمعي قوله:
[ وفيها أربع لغات ، إضْحِيَّةٌ .
و أُضْحِيَّةٌ والجمع أضاحي .
و ضَحِيَّةٌ على فعيلة والجمع ضحايا .
و أضْحَاةٌ والجمع أضحىً كما يقال أرطاةٌ وأرْطىً … ] (1) .
ويقال ضحى تضحيةً ، إذا ذبح الأضحية وقت الضحى ، هذا هو الأصل فيه كما قال أهل اللغة (2).
تعريف الأضحية عند الفقهاء : عرَّف الفقهاء الأضحية بعدة تعريفات منها :
1. هي ذبح حيوان مخصوص بنية القربة في وقت مخصوص (3).
2. هي اسم لحيوان مخصوص بسن مخصوص يذبح بنية القربة في يوم مخصوص عند وجود شرائطها وسببها (4).
3. هي ما يذبح من النعم تقرباً إلى الله تعالى من يوم العيد إلى آخر أيام التشريق (5).
4. والذي أختاره في تعريف الأضحية أنها : اسمٌ لما يُذكى من النَّعم تقرباً إلى الله تعالى في أيام النحر بشرائط مخصوصة .
فالتذكية هي إزهاق روح الحيوان ليتوصل إلى حلِّ أكله ، فتشمل الذبح والنحر ، بل تشمل العقر أيضاً ،كما لو شرد ثورٌ أو بعير فطُعِنَ برمح أو نحوه مع التسمية ونية الأضحية .
من النعم : لأن الأضحية تكون من الأنعام فقط ، على الراجح من أقوال أهل العلم كما سيأتي .
والأنعام هي الإبل والبقر والغنم وتشمل الضأن والماعز .
في أيام النحر : وهذا لبيان وقت الأضحية الشرعي كما سيأتي تفصيله في محله .
تقرباً إلى الله تعالى : فلا يعد من الأضحية ما يُذكى لغير التقرب إلى الله تعالى ، مثل ما يُذكى للبيع أو الأكل أو إكرام الضيف ، وكذلك لا يُعَدُ من الأضحية ، ما يذكى تقرباً إلى الله تعالى في غير أيام النحر كالعقيقة (1) .
بشرائط مخصوصة : وسيأتي تفصيل شروط الأضحية في موضعها إن شاء الله تعالى .
المبحث الثاني
مشروعية الأضحية وفضلها
أولاً : مشروعية الأضحية :
الأضحية مشروعة بكتاب الله عز وجل وسنة رسوله e القولية والفعلية وانعقد الإجماع على ذلك .
أما الكتاب الكريم فقوله تعالى:} فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ { سورة الكوثر الآية 2 .
قال القرطبي :[ قوله تعالى : } فَصَلِّ { أي أقم الصلاة المفروضة عليك، كذا رواه الضحاك عن ابن عباس .
وقال قتادة وعطاء وعكرمة : } فَصَلِّ لِرَبِّكَ { صلاة العيد يوم النحر .
} وَانْحَرْ { نُسُكك .
وقال أنس :كان النبي e ينحر ثم يصلي فأُمِرَ أن يصلي ثم ينحر.
وقال سعيد بن جبير أيضاً : صل لربك صلاة الصبح المفروضة بجمع – أي مزدلفة – وانحر البدن بمنى … ] (1) .
وقال ابن كثير :[ قال ابن عباس وعطاء ومجاهد وعكرمة والحسن، يعني بذلك نحر البدن ونحوها .
وكذا قال قتادة ومحمد بن كعب القرظي والضحاك والربيع وعطاء الخراساني والحكم وسعيد بن أبي خالد وغير واحد من السلف وهذا بخلاف ما كان عليه المشركون من السجود لغير الله والذبح على غير اسمه كما قال تعالى:{ وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ …}الآية ] ثم قال ابن كثير بعد أن ذكر أقوالاً أخرى في تفسير الآية :
[ والصحيح القول الأول أن المراد بالنحر ذبح المناسك ] (2) .
ومن أهل العلم من يرى أن المراد بقوله تعالى :} فَصَلِّ لِرَبِّكَ { أي صلاة العيد وبقوله :
} وَانْحَرْ { أي نحر الأضحية .
ولا يخفى أن صلاة العيد داخلة في عموم قوله تعالى :} فَصَلِّ لِرَبِّكَ { وأن الأضحية داخلة في عموم قوله تعالى :} وَانْحَرْ { (1) وهذه الأقوال في تفسير الآية محتملة .
وأما السنة النبوية الفعلية ، فقد ثبت أن النبي e كان يضحي وكان يتولى ذبح أضحيته بنفسه e فمن ذلك :
أ. ما رواه البخاري بإسناده عن أنس t قال ضحى النبي e بكبشين أملحين ، فرأيته واضعاً قدمه على صفاحهما يسمِّي ويكبر فذبحهما بيده ) .
ورواه مسلم ، ولفظه عن أنس قال : ضحى رسول الله e بكبشين أملحين أقرنين
قال : ورأيته يذبحهما بيده ورأيته واضعاً قدمه على صفاحهما قال: وسمَّى وكبر ) (2) .
ب. وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله e أمر بكبش أقرن، يطأ في سواد ، ويبرك في سواد ، وينظر في سواد ، فأُتِيَ به ليضحي به ، فقال لها : يا عائشة هلمي المدية، ثم قال : اشحذيها بحجر . ففعلت ثم أخذها وأخذ الكبش ، فأضجعه ثم ذبحه ثم قال:
باسم الله اللهم تقبل من محمد وآل محمد ، ومن أمة محمد ثم ضحَّى به ) رواه مسلم (3) .
ج. وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال أقام رسول الله e بالمدينة عشر سنين يضحي ) رواه أحمد و الترمذي وقال : هذا حديث حسن (4) .
د. وعن جابر t قال شهدتُ مع رسول الله e الأضحى بالمصلى ، فلما قضى خطبته نزل من منبره ، وأُتِيَ بكبش فذبحه رسول الله e بيده ، وقال : بسم الله والله أكبر هذا عني وعمَّن لم يضح من أمتي ) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة وأحمد ، وقال الشيخ الألباني: صحيح (5) .
وأما السنة النبوية القولية ، فقد وردت أحاديث كثيرة في الأضحية منها :
أ. عن البراء t قال قال النبي e : إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي ، ثم نرجع فننحر، من فعله فقد أصاب سنتنا ، ومن ذبح قبل فإنما هو لحم قدمه لأهله ليس من النسك في شيء .
فقام أبو بردة بن نيار وقد ذبح فقال : إن عندي جذعة فقال : إذبحها ولن تجزئ عن أحدٍ بعدك .) رواه البخاري ومسلم (1) .
ب. وعن جندب بن سفيان t قال شهدتُ الأضحى مع رسول الله e فلم يعدُ أن صَلَّى وفرغ من صلاته سَلَّمَ ، فإذا هو يرى لحم أضاحِيَّ قد ذُبحت قبل أن يفرغ من صلاته ، فقال: من كان ذبح أضحيته قبل أن يصلي أو نصلي فليذبح مكانها أخرى ، ومن كان لم يذبح فليذبح باسم الله ) رواه البخاري ومسلم واللفظ له (2) .
ج. وعن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي e قال إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي ، فلا يمس من شعره ولا بشره شيئاً ) رواه مسلم (3) .
وغير ذلك من الأحاديث .
وقد أجمع المسلمون على مشروعية الأضحية (4) .
ثانياً : فضل الأضحية :
قال الإمام ابن العربي المالكي :[ ليس في فضل الأضحية حديثٌ صحيحٌ ، وقد روى الناس فيها عجائب لم تصح ، منها قوله إنها مطاياكم إلى الجنة ) ] (1) .
وقد وردت بعض الأحاديث في فضل الأضحية ، ولكنها ضعيفة ، وبعضها موضوع مكذوب، وأمثل الأحاديث الواردة في فضل الأضحية ما رواه الترمذي بإسناده عن عائشة t أن رسول الله e قال ما عمل آدمي من عمل يوم النحر ، أحب إلى الله من إهراق الدم ، إنها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأشعارها وأظلافها ، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع من الأرض فطيبوا بها نفساً ) قال الترمذي :[ وفي الباب عن عمران بن حصين وزيد بن أرقم . قال أبو عيسى : هذا حديث حسن غريب لانعرفه من حديث هشام بن عروة إلا من هذا الوجه …
قال أبو عيسى : ويروى عن النبي e أنه قال في الأضحية لصاحبها بكل شعرة حسنة ، ويروى بقرونها ] (2) .
ورواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد. ولم يخرجاه . فتعقبه الذهبي بقوله : قلت سليمان واهٍ وبعضهم تركه (3) . وضعفه المنذري وأبو حاتم والشيخ الألباني (4) .
وأما حديث عمران بن حصين الذي أشار إليه الترمذي فنصه عن عمران بن حصين t أن رسول الله e قال : يا فاطمة قومي إلى أضحيتك فاشهديها ، فإنه يغفر لك عند أول قطرة تقطر من دمها كل ذنب عملتيه ، وقولي: إن صلاتي ونسكي ، ومحياي ومماتي لله رب العالمين ، لا شريك له ، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين .
قال عمران : قلت يا رسول الله هذا لك ولأهل بيتك خاصة فأهل ذاك أنتم، أم للمسلمين عامة ؟ قال : بل للمسلمين عامة ) .
رواه الحاكم وقال: هذا حديث صحيح الإسناد . ولم يخرجاه وشاهده حديث عطية عن أبي سعيد .
وتعقبه الذهبي فقال : بل أبو حمزة ضعيف جداً وإسماعيل ليس بذاك (1) .
وقال الشيخ الألباني عن الحديث : منكر (2) .
وأما حديث زيد بن أرقم الذي أشار إليه الترمذي ونصه عن زيد بن أرقم t قال : قال أصحاب رسول الله e : يا رسول الله ما هذه الأضاحي ؟ قال : سنة أبيكم إبراهيم .
قالوا : فما لنا فيها يا رسول الله ؟ قال: بكل شعرة حسنة .
قالوا : فالصوف يا رسول الله ؟ قال : بكل شعرة من الصوف حسنة ) .
رواه ابن ماجة وقال في الزوائد : في إسناده أبو داود واسمه نفيع بن الحارث ، وهو متروك واتهم بوضع الحديث .
ورواه البيهقي ثم قال : قال البخاري عائذ الله المجاشعي عن أبي داود روى عنه سلام بن مسكين لا يصح حديثه . ورواه أحمد ، وقال الشيخ الألباني : إنه حديث موضوع (3) .
وأما الحديث الذي ذكره الإمام ابن العربي المالكي وأوردته في أول المبحث فقد ورد بألفاظ مختلفة منها :
( عظموا ضحاياكم فإنها على الصراط مطاياكم ) وفي لفظٍ آخر ( استفرهوا ضحاياكم فإنها مطاياكم على الصراط ) وغيرهما من الألفاظ .
فهذا الحديث بألفاظه المختلفة غير ثابت عن الرسول e بل هو ضعيف جداً .
قال الحافظ ابن حجر :[لم أره] ونقل عن ابن الصلاح قوله :[ هذا الحديث غير معروف ولا ثابت فيمنا علمناه ] ثم ذكر أن صاحب مسند الفردوس قد رواه وفيه راوٍ ضعيف جداً (4) . وقال الشيخ العجلوني :[ إنه ضعيف جداً ] (5) .
وقال الشيخ الألباني :[ لا أصل له بهذا اللفظ ( عظموا ضحاياكم فإنها على الصراط مطاياكم ) ](6) .
وقال الشيخ الألباني في موضع آخر استفرهوا ضحاياكم فإنها مطاياكم على الصراط ) ضعيف جداً (1) .
وقال الحافظ ابن عبد البر :[ وقد روي في فضل الضحايا آثار حسان ، فمنها ما رواه سعيد بن داود… عن ابن عباس قال :قال رسول الله e : ما من نفقة بعد صلة الرحم أعظم عند الله من إهراق الدم ] (2) .
المبحث الثالث
الحكمة من مشروعية الأضحية
قال أهل العلم إن الأضحية شرعت لحكم كثيرة منها :
أولاً : إحياءً لسنة إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام، حينما رأى في المنام أنه يذبح ولده إسماعيل ، ورؤيا الأنبياء حق وصدق ، قال الله تعالى:} وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ(99)رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ(100)فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ(101)فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ(102)فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ(103)وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ(104)قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ(105)إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ(106){ سورة الصافات .
قال صاحب الظلال يرحمه الله :[ ثم تجيء الحلقة الثانية من قصة إبراهيم … لقد انتهى أمره مع أبيه وقومه . لقد أرادوا به الهلاك في النار التي أسموها الجحيم ، وأراد الله أن يكونوا هم الأخسرين ؛ ونجاه من كيدهم أجمعين .
عندئذ استدبر إبراهيم مرحلة من حياته ليستقبل مرحلة ؛ وطوى صفحة لينشر صفحة :
} وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ {.
هكذا .. إني ذاهب إلى ربي .. إنها الهجرة . وهي هجرة نفسية قبل أن تكون هجرة مكانية. هجرة يترك وراءه فيها كل شيء من ماضي حياته . يترك أباه وقومه وأهله وبيته ووطنه وكل ما يربطه بهذه الأرض ، وبهؤلاء الناس . ويدع وراءه كذلك كل عائق وكل شاغل. ويهاجر إلى ربه متخففاً من كل شيء ، طارحاً وراءه كل شيء ، مسلماً نفسه لربه لا يستبقي منها شيئاً .
موقنٌ أنَّ ربه سيهديه، وسيرعى خطاه ، وينقلها في الطريق المستقيم .إنها الهجرة الكاملة من حال إلى حال ، ومن وضع إلى وضع ، ومن أواصر شتى إلى آصرة واحدة لا يزحمها في النفس شيء . إنه التعبير عن التجرد والخلوص والاستسلام والطمأنينة واليقين .
وكان إبراهيم حتى هذه اللحظة وحيداً لا عقب له ؛ وهو يترك وراءه أواصر الأهل والقربى ، والصحبة والمعرفة ، وكل مألوف له في ماضي حياته ، وكل ما يشده إلى الأرض التي نشأ فيها ، والتي انحسم ما بينه وبين أهلها الذين ألقوه في الجحيم ! فاتجه إلى ربه الذي أعلن أنه ذاهب إليه . اتجه إليه يسأله الذرية المؤمنة والخلف الصالح :
} رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ {.
واستجاب الله دعاء عبده الصالح المتجرد ، الذي ترك وراؤه كل شيء ، وجاء إليه بقلب
سليم … } فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ {.
وهو إسماعيل - كما يرجح سياق السيرة والسورة – وسنرى آثار حلمه الذي وصفه ربه به وهو غلام . ولنا أن نتصور فرحة إبراهيم الوحيد المفرد المهاجر المقطوع من أهله وقرابته . لنا أن نتصور فرحته بهذا الغلام الذي يصفه ربه بأنه حليم .
والآن آن أن نطلع على الموقف العظيم الكريم الفريد في حياة إبراهيم . بل في حياة البشر أجمعين . وآن أن نقف من سياق القصة في القرآن أمام المثل الموحى الذي يعرضه الله للأمة المسلمة من حياة أبيها إبراهيم …
} فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ { .
يالله ! ويالروعة الإيمان والطاعة والتسليم .
هذا إبراهيم الشيخ . المقطوع من الأهل والقرابة . المهاجر من الأرض والوطن . هاهو ذا يرزق في كبرته وهرمه بغلام . طالما تطلع إليه. فلما جاءه غلاماً ممتازاً يشهد له ربه بأنه حليم . وهاهو ذا ما يكاد يأنس به ،وصباه يتفتح ، ويبلغ معه السعي ،ويرافقه في الحياة … وها هو ما يكاد يأنس ويستروح بهذا الغلام الوحيد ، حتى يرى في منامه أنه يذبحه . ويدرك أنها إشارة من ربه بالتضحية . فماذا ؟ إنه لا يتردد ، ولا يخالجه إلا شعور الطاعة، ولا يخطر له إلا خاطر التسليم .. نعم إنها إشارة . مجرد إشارة . وليست وحياً صريحاً ، ولا أمراً مباشراً . ولكنها إشارة من ربه… وهذا يكفي… هذا يكفي ليلبي ويستجيب. ودون أن يعترض . ودون أن يسأل ربه… لماذا يا ربي أذبح ابني الوحيد ؟!
ولكنه لا يلبى في انزعاج ، ولا يستسلم في جزع ، ولا يطيع في اضطراب… كلا إنما هو القبول والرضى والطمأنينة والهدوء . يبدو ذلك في كلماته لابنه وهو يعرض عليه الأمر الهائل في هدوء وفي اطمئنان عجيب: } قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ {…
فهي كلمات المالك لأعصابه ، المطمئن للأمر الذي يواجهه ، الواثق بأنه يؤدي واجبه. وهي في الوقت ذاته كلمات المؤمن ، الذي لا يهوله الأمر فيؤديه ، في اندفاع وعجلة ليخلص منه وينتهي ، ويستريح من ثقله على أعصابه !
والأمر شاق – ما في ذلك شك – فهو لا يطلب إليه أن يرسل بابنه الوحيد إلى معركة . ولا يطلب إليه أن يكلفه أمراً تنتهي به حياته… إنما يطلب إليه أن يتولى هو بيده . يتولى ماذا ؟ يتولى ذبحه .. وهو – مع هذا – يتلقى الأمر هذا التلقي ، ويعرض على ابنه هذا العرض ؛ ويطلب إليه أن يتروى في أمره ، وأن يرى فيه رأيه !
إنه لا يأخذ ابنه على حين غرة لينفذ إشارة ربه . وينتهي . إنما يعرض الأمر عليه كالذي يعرض المألوف من الأمر . فالأمر في حسه هكذا . ربه يريد . فليكن ما يريد . على العين والرأس . وابنه ينبغي أن يعرف . وأن يأخذ الأمر طاعة وإسلاماً ، لا قهراً واضطراراً . لينال هو الآخر أجر الطاعة ، وليسلم هو الآخر ويتذوق حلاوة التسليم ! إنه يحب لابنه أن يتذوق لذة التطوع التي ذاقها ؛ وأن ينال الخير الذي يراه هو أبقى من الحياة وأقنى …
فماذا يكون من أمر الغلام ، الذي يعرض عليه الذبح ، تصديقاً لرؤيا رآها أبوه ؟
إنه يرتقي إلى الأفق الذي ارتقى إليه من قبل أبوه : } قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ {.. إنه يتلقى الأمر لا في طاعة ولا استسلام فحسب . ولكن في رضى كذلك وفي يقين.. } يَاأَبَتِ {.. في مودة وقربى . فشبح الذبح لا يزعجه ولا يفزعه ولا يفقده رشده . بل لا يفقده أدبه ومودته .
} افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ { فهو يحس ما أحسه من قبل قلب أبيه . يحس أن الرؤيا إشارة . وأن الإشارة أمر . وأنها تكفي لكي يلبى وينفذ بغير لجلجة ولا تمحل ولا ارتياب .
ثم هو الأدب مع الله ، ومعرفة حدود قدرته وطاقته في الاحتمال ؛ والاستعانة بربه على ضعفه ونسبة الفضل إليه في إعانته على التضحية ، ومساعدته على الطاعة :
} سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ { ...
ولم يأخذها بطولة . ولم يأخذها شجاعة . ولم يأخذها اندفاعاً إلى الخطر دون مبالاة . ولم يظهر لشخصه ظلاً ولا حجماً ولا وزناً… إنما أرجع الفضل كله لله إن هو أعانه على ما يطلب إليه ، وأصبره على ما يراد به :} سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ { .
ياللأدب مع الله ! ويالروعة الإيمان . ويالنبل الطاعة . ويالعظمة التسليم !
ويخطو المشهد خطوة أخرى وراء الحوار والكلام .. يخطو إلى التنفيذ : } فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ {.. ومرةً أخرى يرتفع نبل الطاعة . وعظمة الإيمان . وطمأنينة الرضى وراء كل ما تعارف عليه بنو الإنسان ..
إن الرجل يمضي فيكب ابنه على جبينه استعداداً . وإن الغلام يستسلم فلا يتحرك امتناعاً. وقد وصل الأمر إلى أن يكون عياناً .
لقد أسلما .. فهذا هو الإسلام . هذا هو الإسلام في حقيقته .ثقة وطاعة وطمأنينة ورضى وتسليم.. وتنفيذ.. وكلاهما لا يجد في نفسه إلا هذه المشاعر التي لا يصنعها غير الإيمان
العظيم .
إنها ليست الشجاعة والجراءة . وليس الاندفاع والحماسة . لقد يندفع المجاهد في الميدان، يَقْتُلُ ويُقْتَلُ . ولقد يندفع الفدائي وهو يعلم أنه قد لا يعود . ولكن هذا كله شيء والذي يصنع إبراهيم وإسماعيل هنا شيء آخر .. ليس هنا دم فائر، ولا حماسة دافعة ولا اندفاع في عجلة تخفي وراءها الخوف من الضعف والنكوص ! إنما هو الاستسلام الواعي المتعقل القاصد المريد ، العارف بما يفعل ، المطمئن لما يكون . لا بل هنا الرضى الهادئ المستبشر المتذوق للطاعة و طعمها الجميل !
وهنا كان إبراهيم وإسماعيل كانا قد أديا . كانا قد أسلما . كانا قد حققا الأمر
والتكليف. ولم يكن باقياً إلا أن يذبح إسماعيل ، ويسيل دمه ، وتزهق روحه .. وهذا أمر لا يعني شيئاً في ميزان الله ، بعدما وضع إبراهيم وإسماعيل في هذا الميزان من روحهما
و عزمهما و مشاعرهما كل ما أراده ربه منهما .
كان الابتلاء قد تم . والامتحان قد وقع . ونتائجه قد ظهرت . وغاياته قد تحققت . ولم يعد إلا الألم البدني . وإلا الدم المسفوح. والجسد الذبيح . والله لا يريد أن يعذب عباده بالابتلاء . ولا يريد دمائهم وأجسادهم في شيء . ومتى خلصوا له واستعدوا للأداء بكلياتهم ، فقد أدوا وقد حققوا التكليف ، وقد جازوا الامتحان بنجاح .
وعرف الله من إبراهيم و إسماعيل صدقهما ، فاعتبرهما قد أديا وحققا وصدقا :
} وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ(104)قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ {
قد صدقت الرؤيا وحققتها فعلاً . فالله لا يريد إلا الإسلام والاستسلام بحيث لا يبقى في النفس ما تكنه عن الله أو تعزه عن أمره أو تحتفظ به دونه ، ولو كان هو الابن فلذة الكبد ، ولو كانت هي النفس والحياة . وأنت - يا إبراهيم - قد فعلت . جدت بكل شيء . وبأعز شيء . وجدت به في رضى وفي هدوء وفي طمأنينة وفي يقين . فلم يبق إلا اللحم والدم . وهذا ينوب عنه ذبح . أي ذبحٍ من دم ولحم ! و يفدي الله هذه النفس التي أسلمت وأدت. يفديها بذبح عظيم . قيل: إنه كبش وجده إبراهيم مهيأ بفعل ربه
وإرادته ليذبحه بدلاً من اسماعيل !
وقيل له : } إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ {.. نجزيهم باختيارهم لمثل هذا البلاء . ونجزيهم بتوجيه قلوبهم ورفعها إلى مستوى الوفاء . ونجزيهم بإقدارهم و إصبارهم على الأداء .
ونجزيهم كذلك باستحقاق الجزاء !
ومضت بذلك سنة النحر في الأضحى ، ذكرى لهذا الحادث العظيم الذي يرتفع منارةً لحقيقة الإيمان . وجمال الطاعة . وعظمة التسليم . والذي ترجع إليه الأمة المسلمة لتعرف فيه حقيقة أبيها إبراهيم ، الذي تتبع ملته ، والذي ترث نسبه وعقيدته . ولتدرك طبيعة العقيدة التي تقوم بها أو تقوم عليها ، ولتعرف أنها الاستسلام لقدر الله في طاعة راضية واثقة ملبية لا تسأل ربها لماذا ؟ ولا تتلجلج في تحقيق إرادته عند أول إشارة منه وأول توجيه . ولا تستبقي لنفسها في نفسها شيئاً ، ولا تختار في ما تقدمه لربها هيئةً ولا طريقةً لتقديمه إلا كما يطلب هو إليها أن تقدم ! ثم لتعرف أن ربها لا يريد أن يعذبها بالابتلاء
ولا أن يؤذيها بالبلاء ، إنما يريد أن تأتيه طائعةً ملبيةً وافيةً مؤدية . مستسلمةً لا تقدم بين يديه ، ولا تتألى عليه ، فإذا عرف منها الصدق في هذا أعفاها من التضحيات والآلام .
و احتسبها لها وفاء وأداء . وقبل منها وفدّاها ، وأكرمها كما أكرم أباها ] (1) .
وقد نقلت لك أخي القارئ كلام صاحب الظلال رغم طوله لبيان عظمة موقف إبراهيم الخليل وكيف أنه أقدم طائعاً لتنفيذ الرؤيا يذبح ولده الوحيد إسماعيل وموقف ذلك الولد المطيع المستسلم لأمر الله تعالى فإن في عملهما قدوة لنا معشر المسلمين قال تعالى :} قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ { سورة الممتحنة الآية 4.
ثانياً : إن ذبح الأضحية وسيلة للتوسعة على النفس وأهل البيت وإكرام الجيران والأقارب والأصدقاء والتصدق على الفقراء . وقد مضت السنة منذ عهد النبي e في التوسعة على الأهل وإكرام الجيران والتصدق على الفقراء يوم الأضحى ، فقد ثبت في الحديث عن أنس t عن النبي e قال من ذبح قبل الصلاة فليعد.فقال رجل : هذا يوم يشتهى فيه اللحم
وذكر هَنَةً من جيرانه فكأن رسول الله e عذره ، وقال عندي جذعة خير من شاتين فرخص له النبي e … ) الحديث رواه البخاري ومسلم (1) .
قال الحافظ ابن حجر :[ قوله وذكر فيه هَنَةً بفتح الهاء والنون الخفيفة بعدها هاء تأنيث ، أي حاجة من جيرانه للَّحم ] (2) .
وجاء في حديث البراء t قال خطبنا رسول الله e يوم النحر بعد الصلاة فقال : من صلى صلاتنا ونسك نسكنا فقد أصاب النسك ، ومن نسك قبل الصلاة فتلك شاة لحم . فقام أبو بردة بن نيار فقال : يا رسول الله لقد نسكت قبل أن أخرج إلى الصلاة وعرفت أن اليوم يوم أكل وشرب فتعجلت فأكلت وأطعمت أهلي وجيراني .
فقال رسول الله e : تلك شاة لحم . فقال : إن عندي عناقاً جذعةً وهي خيرٌ من شاتي لحم فهل تجزئ عني ؟ قال : نعم ، ولن تجزئ عن أحدٍ بعدك ) رواه البخاري ومسلم ، وأبو داود واللفظ له (3) .
فانظر إلى قول أبي بردة فأكلتُ وأطعمتُ أهلي وجيراني ) فإنه يشير إلى ما ذكرت .
وجاء في الحديث أن عطاء بن يسار قال سألت أبا أيوب الأنصاري كيف كانت الضحايا على عهد رسول الله e ؟ فقال : كان الرجل يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته فيأكلون ويطعمون حتى تباهى الناس فصارت كما ترى ) رواه الترمذي وقال : حسن صحيح ، ورواه ابن ماجة والبيهقي وغيرهم ، وقال الشيخ الألباني : صحيح (4) .
قلت : وهكذا قول أبي أيوب ( فيأكلون ويطعمون ) ، يدل على ما سبق .
ثالثاً : شكراً لله سبحانه وتعالى على نعمه المتعددة :
فالله سبحانه وتعالى قد أنعم على الإنسان بنعمٍ كثيرةٍ لا تُعَدُ ولا تُحصى كنعمة البقاء من عام لعام . ونعمة الإيمان ونعمة السمع والبصر والمال ؛ فهذه النعم وغيرها تستوجب الشكر للمنعم سبحانه وتعالى ، والأضحية صورةٌ من صور الشكر لله سبحانه وتعالى ، فيتقرب العبد إلى ربه بإراقة دم الأضحية امتثالاً لأمر الله سبحانه وتعالى (1) ، حيث قال جلَّ جلاله:{ فصلِّ لربك وانحر } سورة الكوثر الآية 2 .