المطلب الرابع : الذبح قبل صلاة العيد :
اتفق أهل العلم على أن من ذبح أضحيته قبل صلاة العيد ممن هو مخاطب بها ، أنها لا تجزئ ولا تعتبر أضحيةً ، وإنما هو لحم قدمه لأهله .
ويدل على ذلك أحاديث :
1. عن البراء قال سمعت النبي يخطب فقال إن أول ما نبدأ به يومنا هذا أن نصلي ثم نرجع فننحر ، فمن فعل هذا فقد أصاب سنتنا ، ومن نحر فإنما هو لحم يقدمه لأهله ليس من النسك في شيء .
فقال أبو بردة : يا رسول الله ذبحت قبل أن أصلي ، وعندي جذعة خير من مسنة.
فقال : اجعلها مكانها ولن تجزئ أو توفي عن أحد بعدك ) رواه البخاري ومسلم وقد مضى .
2. عن أنس عن النبي قال من ذبح قبل الصلاة فليعدْ ) رواه البخاري ومسلم .
3. عن جندب بن سفيان البجلي قال شهدتُ النبي يوم النحر فقال : من ذبح قبل أن يصلي فليعد مكانها أخرى ، ومن لم يذبح فليذبح باسم الله ) رواه البخاري ومسلم وقد مضى أيضاً.
4. وعن البراء قال ضحى خالي أبو بردة قبل الصلاة . فقال رسول الله تلك شاة لحم … الحديث ) رواه البخاري ومسلم وقد مضى أيضاً .
المطلب الخامس: حكم الذبح بعد صلاة العيد ، وقبل أن يذبح إمام المسلمين أضحيته :
اختلف أهل العلم فيمن ذبح أضحيته بعد صلاة العيد ، وقبل أن يذبح الإمام أضحيته ، كما يلي :
القول الأول : قال جمهور الفقهاء من ذبح بعد صلاة العيد ، وقبل أن يذبح الإمام أضحيته فأضحيته جائزة ولا حرج في ذلك .
وهذا قول الحنفية والشافعية والحنابلة وأهل الظاهر (1) .
وحجتهم ما ورد في الأحاديث الكثيرة من تقييد وقت الأضحية بكونه بعد الصلاة كما في حديث أنس : ( من ذبح قبل الصلاة فليعد ) وقد مضى .
وفي حديث جندب من ذبح قبل أن يصلي فليعد ) .
وفي رواية عند البخاري من حديث أنس من ذبح قبل الصلاة فإنما يذبح لنفسه ومن ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه وأصاب سنة المسلمين ) وغير ذلك من الأحاديث .
القول الثاني : قال المالكية من ذبح بعد صلاة الإمام وقبل ذبحه ؛ فلا تجزؤه ولا تعد أضحية (2) .
وحجة المالكية ما جاء في حديث البراء أن خاله أبا بردة قد ذبح أضحيته قبل أن يضحي الرسول ، فأمره أن يعيد ، وما جاء في رواية أخرى لحديث البراء أن الرسول قال لا يذبحنَّ أحدٌ حتى نصلي ) .
قال الحافظ ابن عبد البر :[ لأن الرسول أمر الذي ذبح قبله بالإعادة ، وقد أمر الله عز وجل عباده بالتأسي بنبيه ، وحذرهم من مخالفته ] (3) .
والراجح في المسألة قول الجمهور وأن الأضحية غير مرتبطة بأضحية الإمام ، فتصح الأضحية بعد صلاة العيد صلى الإمام أم لم يصلِ ضحى أم لم يضح .
المطلب السادس : أفضل وقت لذبح الأضحية :
اتفق أهل العلم على أن أفضل وقت لذبح الأضحية ، هو اليوم الأول وهو يوم الأضحى بعد فراغ الناس من الصلاة ، وبعد أن يذبح إمام المسلمين أضحيته ، إن كان للمسلمين إمام خروجاً من الخلاف .
هذا في البلاد التي تقام فيها صلاة العيد (1) .
وأما في البلاد التي لا تصلى فيها العيد ، لأي سبب من الأسباب ؛ فإن وقت الذبح يكون بعد ارتفاع الشمس بقدر رمح أو رمحين ، ويضاف إلى ذلك من الوقت ما يسع الصلاة والخطبة ، ويكون ذلك بعد ساعة من شروق الشمس على وجه التقريب والله أعلم .
فإن لم يذبح في اليوم الأول في الوقت المفضل ، وهو المذكور سابقاً ذبح في اليوم الثاني بعد الفجر إلى الزوال .
وكره الإمام مالك الذبح في اليوم الأول بعد الزوال إلى غروب الشمس .
وكذلك كره الذبح في اليومين الثاني والثالث بعد الزوال ، لشبه الأضحية بالصلاة من جهة ارتباطها بها والصلاة لا تفعل بعد الزوال (2).
المطلب السابع : إذا اشترى أضحية فضلَّت أو ماتت قبل أن يذبحها :
إذا اشترى شاة للتضحية بها ، فضَلَّت أو ماتت فلا شيء عليه إن شاء الله (1) ، فقد روى البيهقي بإسناده عن تميم بن حويص المصري قال :[ اشتريت شاة بمنى أضحية فضلَّت . فسألت ابن عباس رضي الله عنهما . فقال : لا يضرك ] (2) .
وهذا القول بناءً على أن الأضحية سنة كما سبق ترجيحه .
قال الإمام الشافعي :[ وإذا اشترى الرجل الضحية فأوجبها أو لم يوجبها فماتت أو ضلَّت أو سرقت فلا بدل عليه ] (3) .
ويرى الحنفية بأن الموسر إذا اشترى أضحية فضلَّت أو ماتت أو سرقت ، أنه يجب عليه أن يضحي بشاة أخرى (4) . وهذا بناءً على قولهم بوجوب الأضحية .
والذي يظهر لي رجحان القول الأول .
قال الإمام البيهقي :[ باب الرجل يشتري الأضحية فتموت أو تسرق أو تضل ] ثم ساق بإسناده عن نافع قال :[ كان ابن عمر رضي الله عنهما يقول: أيما رجل أهدى هدية فضلَّت فإن كانت نذراً أبدلها ، وإن كانت تطوعاً فإن شاء أبدلها وإن شاء تركها … ] .
ثم ذكر أثر ابن عباس رضي الله عنهما السابق .
ثم ساق بإسناده عن محمد بن القاسم :[ أن عائشة رضي الله عنها ساقت بدنيتن فضلَّتا ، فأرسل إليها ابن الزبير بدنيتين مكانهما فنحرتهما ، ثم وجدت الأوليين فنحرتهما أيضاً ، ثم قالت هكذا السنة في البدن ] (5) .
المطلب الثامن : إذا فات وقت الأضحية ولم يضح ، فماذا يترتب على من أراد الأضحية ؟
قال الحنفية والمالكية إذا فات وقت الأضحية ولم يضح فإنها تقضى .
وقال الشافعية والحنابلة تقضى الأضحية المنذورة فقط ؛ فإذا فات وقتها ذبحها (1) .
قال الكاساني :[ … تقضى إذا فاتت عن وقتها … لما قلنا ] (2) .
وقال الشيخ ابن قدامة :[ إذا فات وقت الذبح ، ذبح الواجب قضاءً ، وصنع به ما يصنع بالمذبوح في وقته ] (3) .
وأما الأضحية المسنونة ، فصاحبها مخيرٌ فيها ، فإن فرَّق لحمها كانت صدقة ، وليست أضحية ، لأنها شاة لحم ، والأضحية قد فاتته .
وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي :[ فإن لم يضح حتى مضت أيام التشريق ، نظرت فإن كان ما يضحي به تطوعاً ، لم يضح لأنه ليس وقت لسنة الأضحية ، وإن كان نذراً لزمه أن يضحي ؛ لأنه قد وجب عليه فلم يسقط بفوات الوقت ] (4) .
والذي يظهر لي أن الراجح : هو ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة ، أن الأضحية المنذروة إذا فات وقتها قضاها ، بمعنى ذبحها وصنع فيها كما يصنع في الأضحية في الوقت .
وأما المسنونة ، فإن فات الوقت ، فهو بالخيار إن شاء ذبحها ، وكانت شاة لحم ، وتصدق بما شاء منها ، وإن شاء حبسها للعام التالي ، فإن ذبحها في العام التالي كانت أضحية عن ذلك العام الذي ذبح فيه ، ولم تكن عن العام السابق الذي فاتت فيه والله أعلم .
المبحث الثالث
ما يطلب من المضحي عند الذبح وبعده
المطلب الأول : ما يطلب من المضحي عند الذبح :
أولاً : النية : أن ينوي عند شراء البهيمة أنها أضحية ، وهذه النية تكفي إن شاء الله . ولا بدَّ من النية ، لأن الأضحية عبادة ، والعبادة لا تصح إلا بالنية ، لقول الرسول إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ) متفق عليه (1) .
والنية لا بد منها حتى نميز العمل الذي هو لله تعالى عن غيره ومن ذلك الأضحية .
قال الإمام القرافي تحت عنوان " فيما يفتقر إلى النية الشرعية " :[ … الأوامر التي لا تكون صورتها كافية في تحصيل مصلحتها المقصودة منها ، كالصلوات والطهارات والصيام والنسك ، فإن المقصود منها تعظيم الرب سبحانه وتعالى ، بفعلها والخضوع له في إتيانها وذلك إنما يحصل إذا قصدت من أجله سبحانه وتعالى ، فإن التعظيم بالفعل بدون قصد المعظم محال ، كمن صنع ضيافة لإنسان ، فانتفع بها غيره من غير قصد ، فإنا نجزم بأن المُعَظَّمَ الذي قُصِدَ بالكرامة ، دون من انتفع بها من غير قصد ، فهذا القسم هو الذي أمر فيه صاحب الشرع بالنية ] (2) .
وقال د. عمر الأشقر مبيناً أن النية تميز العبادات عن العادات :[ … الضحايا والهدايا : كما كان ذبح الذبائح في الغالب لغير الله ، من ضيافة الضيفان ، وتغذية الأبدان ، ونادر أحواله أن يُفْعَلَ تقرباً إلى الملك الديان . شُرِطت فيه النية تمييزاً لذبح القربة عن الذبح للاقتيات والضيافات ، لأن تطهير الحيوان بالذكاة كتطهير الأعضاء بالمياه من الأحداث تارة يكون لله ، وتارة يكون لغير الله ، فالنية واجبة كي يتميز الذي لله عما عداه ] (3) .
وقد نص الفقهاء على اشتراط النية في الأضحية .
قال الكاساني :[ فمنها نية الأضحية لا تجزئ بدونها لأن الذبح قد يكون للحم وقد يكون للقربة ، والفعل لا يقع قربة بدون النية … فلا تتعين الأضحية إلا بالنية ] (4) .
وتكفي النية بالقلب ولا يشترط التلفظ باللسان ، قال الكاساني :[ ويكفيه أن ينوي بقلبه ، ولا يشترط أن يقول بلسانه ما نوى بقلبه ، كما في الصلاة ؛ لأن النية عمل القلب والذكر باللسان دليل عليها ] (1) .
والصحيح أن التلفظ بالنية بدعة مخالفة لهدي المصطفى .
ولو ذبحها غير صاحبها فلا يشترط أن يتلفظ بالنية عن صاحبها.
قال الشيخ ابن قدامة معلقاً على قول الخرقي وليس عليه أن يقول عند الذبح " عمَّن " لأن النية تجزئ ).
[ لا أعلم خلافاً في أن النية تجزئ ، وإن ذكر من يضحي عنه فحسن ] (2) .
وقال الشيخ القرافي :[ لو نوى الوكيل عن نفسه أجزأت صاحبها ، وقد اشترى ابن عمر رضي الله عنه شاة من راع فأنزلها من الجبل ، وأمره بذبحها فذبحها الراعي ، وقال : اللهم تقبل مني . فقال ابن عمر : ربك أعلم بمن أنزلها من الجبل ] (3) .
ثانياً : ربط الأضحية قبل الذبح : استحب (4) فقهاء الحنفية أن تربط الأضحية قبل أيام النحر , لما فيه من الاستعداد للقربة وإظهار الرغبة فيها ، فيكون له فيها أجر وثواب ؛ لأن ذلك يشعر بتعظيم هذه الشعيرة قال الله تعالى :} ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ { سورة الحج الآية 32 .
ثالثاً : أن يسوق الأضحية إلى محل الذبح سوقاً جميلاً لا عنيفاً (5) ، فقد روى عبد الرزاق بسنده عن محمد بن سيرين قال :[ رأى عمر بن الخطاب رجلاً يسحب شاة برجلها ليذبحها فقال له : ويلك ! قدها إلى الموت قوداً جميلاً ] (6) ورواه البيهقي ، وذكره الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة (7) .
رابعاً : أن يحد السكين قبل الذبح (1) ، لأن المطلوب إراحة الحيوان بأسرع وقت ممكن، وهذا من الإحسان الذي ذكره الرسول كما جاء في الحديث عن شداد بن أوس أن النبي قال إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته ) رواه مسلم .
خامساً : أن لا يحد السكين أمام الحيوان الذي يريد ذبحه (2) ، لأن ذلك من الإحسان المأمور به كما جاء في الحديث السابق .
وعن ابن عباس أن رجلاً أضجع شاة وهو يحد شفرته فقال النبي أتريد أن تميتها موتات ؟ هلا أحددت شفرتك قبل أن تضجعها ؟ ) رواه الحاكم وقال : صحيح على شرط البخاري ووافقه الذهبي ، ورواه عبد الرزاق والبيهقي وصححه الشيخ الألباني (3) .
وعن ابن عمر أن الرسول أمر بحد الشفار وأن توارى عن البهائم وقال إذا ذبح أحدكم فليجهز ) رواه أحمد والبيهقي وابن ماجة وفيه ابن لهيعه وهو ضعيف ، ولكن يشهد له ما سبق من حديث شداد وحديث ابن عباس (4) .
وعن عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب أن رجلاً حدَّ شفرته وأخذ الشاة ليذبحها فضربه عمر بالدرة وقال :[ أتعذب الروح ؟! ألا فعلت هذا قبل أن تأخذها ] رواه البيهقي (5) .
سادساً : يستحب إضجاع الغنم والبقر في الذبح ، وأنها لا تذبح وهي قائمة ولا باركة بل مضجعة ، لأنه أرفق بها ، وتضجع على جانبها الأيسر لأنه أسهل في الذبح ، وأخذ السكين باليمين وإمساك رأسها باليسار .
وأما الإبل فالسنة أن تنحر قائمةً على ثلاث قوائم معقولة الركبة اليسرى .
وقد صح عن جابر أن النبي وأصحابه كانوا ينحرون البدنة معقولة اليسرى قائمةً على ما بقي من قوائمها ) رواه أبو داود (1) بإسناد صحيح على شرط مسلم ، قاله الإمام النووي (2) .
وقد ثبت في الحديث عن زياد بن جبير قال :[ رأيت ابن عمر رضي الله عنهما أتى على رجل أناخ بدنته ينحرها . قال : ابعثها قياماً مقيدةً سنة محمد ] رواه البخاري
ومسلم (3) .
وقال بعض أهل العلم يستوي نحرها قائمةً وباركةً في الفضيلة (4). والحديث حجة عليهم .
سابعاً : استقبال القبلة من الذابح والذبيحة : يستحب أن يستقبل الذابح القبلة وأن يوجه مذبح الحيوان إلى القبلة .
قال الإمام النووي :[ استقبال الذابح القبلة وتوجيه الذبيحة إليها، وهذا مستحب في كل ذبيحة ، لكنه في الهدي والأضحية أشد استحباباً ، لأن الاستقبال في العبادات مستحب وفي بعضها واجب ] (5) .
ويدل على ذلك ما جاء في الحديث عن جابر بن عبد الله قال ذبح النبي يوم الذبح كبشين أقرنين أملحين موجوئين ، فلما وجههما قال : إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض على ملة إبراهيم حنيفاً ، وما أنا من المشركين ، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي ، لله رب العالمين ، لا شريك له وبذلك أمرت ، وأنا من المسلمين ، اللهم منك ولك ، وعن محمد وأمته باسم الله والله أكبر ثم ذبح ) رواه أبو داود وابن ماجة وأحمد والدارمي ، وصححه الشيخ الألباني والشاهد في الحديث قوله ( فلما وجههما ) أي نحو القبلة (6) .
وجاء في الحديث عن عائشة رضي الله عنها أن النبي قال ضحوا وطيبوا أنفسكم ، فإنه ما من مسلم يستقبل بذبيحته القبلة إلا كان دمها وفرثها وصوفها حسنات في ميزانه يوم القيامة ) رواه البيهقي وقال : وإسناده ضعيف (1) .
وجاء عن ابن عباس أنه قال :[ ليجعل أحدكم ذبيحته بينه وبين القبلة ثم يقول :
من الله وإلى الله والله أكبر اللهم منك ولك اللهم تقبل ] قال الإمام النووي : رواه البخاري بمعناه (2) ، ولم أقف عليه في صحيح البخاري .
ثامناً : أن يتولى ذبحها بنفسه إن كان يحسن الذبح ، وإلا شهد ذبحها (3) ، ومما يدل على استحباب تولي الإنسان أضحيته بنفسه ، ما جاء في حديث أنس أن النبي ضحى بكبشين أقرنين أملحين ، وكان يسمي ويكبر ، ولقد رأيته يذبحهما بيده واضعاً رجله على صفاحهما ) رواه البخاري ومسلم وقد مضى .
قال الإمام البخاري في صحيحه [ باب من ذبح الأضاحي بيده ] ثم ذكر فيه حديث
أنس السابق ، ثم ذكر في الباب الذي يليه [ وأمرَ أبو موسى بناته أن يضحين
بأيديهن . ثم قال الحافظ : وصله الحاكم في المستدرك .
ووقع لنا بعلو في خبرين كلاهما من طريق المسيب بن رافع أن أبا موسى كان يأمر بناته أن يذبحن نسائكهن بأيديهن وسنده صحيح (4) .
ويجوز لمن أراد الأضحية أن ينيب غيره في ذبحها كما سيأتي .
فإن أناب عنه فيستحب له أن يشهد ذبحها لما ورد في حديث أبي سعيد أن الرسول قال لفاطمة رضي الله عنها قومي لأضحيتك فاشهديها فإنه بأول قطرة من دمها يغفر لك ما سلف من ذنبك ) رواه البيهقي والحاكم (5) .
وقال الهيثمي :[ رواه البزار وفيه عطية بن قيس وفيه كلام كثير وقد وثق ] (1) .
وروى البيهقي بإسناده عن علي بن أبي طالب أن رسول الله قال لفاطمة رضي الله عنها يا فاطمة قومي فاشهدي أضحيتك أما إن لك بأول قطرة تقطر من دمها مغفرة لكل ذنب، أما إنه يجاء بها يوم القيامة بلحومها ودمائها سبعين ضعفاً حتى توضع في ميزانك .
فقال أبو سعيد الخدري : يا رسول الله أهذه لآل محمد خاصة فهم أهل لما خصوا به من خير ، أو لآل محمد والناس عامة .
فقال رسول الله : بل هي لآل محمد وللناس عامة ) رواه البيهقي ، وقال عمرو بن خالد ضعيف (2) .
ورواه أبو القاسم الأصبهاني في كتاب الترغيب والترهيب ، وأبو الفتح سليم بن أيوب الفقيه الشافعي في كتاب الترغيب ، وقال الحافظ المنذري : وقد حسن بعض مشايخنا حديث علي هذا والله أعلم (3) .
وروى البيهقي بإسناده عن عمران بن حصين قال قال رسول الله : يا فاطمة قومي فاشهدي أضحيتك ، فإنه يغفر لك بأول قطرة من دمها كل ذنب عملتيه ، وقولي : إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له ، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين .
قلت : يا رسول الله هذا لك ولأهل بيتك خاصة فأهل ذلك أنتم أم للمسلمين عامة .
قال : بل للمسلين عامة ) ورواه الحاكم وقال : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه .
وتعقبه الذهبي قائلاً :[ بل أبو حمزة ضعيف جداً وإسماعيل ليس بذاك ] (4) .
وهذه الأحاديث ، وإن كان كل واحد منها لا يخلو من مقال ، فإن بعضها يقوي بعضاً فتصلح للاستشهاد .
تاسعاً : التسمية والتكبير عند الذبح (1) :
ثبت أن النبي كان إذا ذبح قال باسم الله والله أكبر ) كما جاء ذلك في رواية لحديث أنس عند مسلم قال: ويقول باسم الله والله أكبر ).
وثبت في رواية أخرى من حديث أنس قال ضحى النبي بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده وسمَّى وكبر … ) الحديث رواه البخاري ومسلم وقد مضى .
عاشراً : الدعاء والصلاة على النبي بعد التسمية والتكبير (2) :
أما الدعاء كأن يقول : اللهم تقبل مني ، أو يقول اللهم تقبل من فلان ، فهذا مشروع ومستحب ، لما ثبت في الحديث عن عائشة رضي الله عنها : ( أن رسول الله أمر بكبش يطأ في سواد ويبرك في سواد وينظر في سواد فأتي به ليضحي به فقال لها : يا عائشة هلمي المدية ، ثم قال : اشحذيها بحجر . ففعلت ثم أخذها وأخذ الكبش فأضجعه ثم ذبحه ثم قال: باسم الله اللهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد ثم ضحى به ) رواه مسلم وقد مضى .
وعن جابر بن عبد الله قال ذبح النبي يوم الذبح كبشين أقرنين أملحين موجوئين فلما وجههما قال : إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض على ملة إبراهيم حنيفاً وما أنا من المشركين ، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين اللهم منك ولك وعن محمد وأمته باسم الله والله أكبر ثم ذبح ) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة وأحمد والدارمي ، وأخرجه أبو يعلى بسند حسن وقد مضى .
وأما الصلاة والسلام على رسول الله فقال الإمام النووي :[ يستحب مع التسمية على الذبيحة أن يصلي على رسول الله عند الذبح نص عليه الشافعي في الأم ] (3) .
وكلام الإمام الشافعي هو :[ والتسمية على الذبيحة باسم الله فإذا زاد على ذلك شيئاً من ذكر الله عز وجل ، فالزيادة خير ولا أكره مع تسميته على الذبيحة أن يقول : صلى الله عليه وسلم ، بل أحبه له ، وأحب له أن يكثر الصلاة عليه فصلى الله عليه في كل الحالات لأن ذكر الله عز وجل والصلاة عليه ، إيمان بالله تعالى ، وعبادة له يؤجر عليها إن شاء الله تعالى … ] (1) .
وقال الشافعي أيضاً :[ ولسنا نعلم مسلماً ولا نخاف عليه أن تكون صلاته عليه إلا الإيمان بالله ولقد خشيت أن يكون الشيطان أدخل على بعض أهل الجهالة النهي عن ذكر اسم رسول الله عند الذبيحة ليمنعهم الصلاة عليه في حال لمعنى يعرض في قلوب أهل الغفلة وما يصلي عليه أحد إلا إيماناً بالله عز وجل وإعظاماً له وتقرباً إليه وقربنا بالصلاة عليه منه زلفى ، والذكر على الذبائح كلها سواء ، وما كان منها نسكاً فهو كذلك ] (2) .
وقد مال إلى قول الشافعي العلامةُ ابن القيم فذكر أن من مواطن الصلاة على النبي عند الذبيحة ، وذكر كلام الإمام الشافعي المذكور أولاً (3) .
وخالف الجمهورُ الإمامَ الشافعيَّ في هذه المسألة ، فرأوا أن الصلاة على النبي غير مشروعة في هذا الموطن ، وعلَّل بعضهم ذلك بأن قال : لأن فيه إيهام الإهلال لغير الله .
وقال آخرون إنها ليست مشروعة لعدم ورود النصوص في ذلك (4) .
وجاء في الأثر عن إبراهيم النخعي قال :[ إذا جزرت فلا تذكر مع اسم الله سواه ] (5)
وهذا أرجح القولين في المسألة عندي .
الحادي عشر : الاستعانة في ذبح الأضحية والإنابة في ذبحها :
يجوز لمن أراد أن يذبح أضحيته أن يستعين بغيره ، ويدل على ذلك ما جاء في الحديث عن أبي الخير أن رجلاً من الأنصار حدثه أن رسول الله أضجع أضحيته ليذبحها ، فقال رسول الله : للرجل أعنِّي على أضحيتي فأعانه ) رواه أحمد ، وقال الهيثمي : رجاله رجال الصحيح . وقال الحافظ ابن حجر : ورجاله ثقات (6) .
وذكر الإمام البخاري تعليقاً :[ وأعان رجل ابن عمر في بدنته ] .
وقال الحافظ ابن حجر :[ أي عند ذبحها ، وهذا وصله عبد الرزاق عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار قال : رأيت ابن عمر ينحر بدنة بمنى وهي باركة معقولة ورجل يمسك بحبل في رأسها وابن عمر يطعن ] (1) .
وأما الإنابة في ذبح الأضحية فجائزة ، وينبغي أن يوكل في ذبحها صاحب دين له معرفة بالذبح وأحكامه .
قال القرافي :[ كان الناس يتخيرون لضحاياهم أهل الدين ؛ لأنهم أولى بالتقرب ، فإن وكَّل تارك صلاة استحب له الإعادة للخلاف في حل ذكاته ] (2) .
ولا ينبغي أن يوكل فاسقاً في ذبحها ، ولا ذمياً ، فإن فعل جاز مع الكراهة على قول جمهور أهل العلم (3) .
قال الخرقي :[ ولا يستحب أن يذبح الأضحية إلا مسلم ] .
وقال الشيخ ابن قدامة شارحاً لذلك :[ وجملته أنه يستحب أن لا يذبح الأضحية إلا مسلم ، لأنها قربة فلا يليها غير أهل القربة ، وإن استناب ذمياً في ذبحها جاز مع الكراهة ، وهذا قول الشافعي وأبي ثور وابن المنذر .
وحكي عن أحمد : لا يجوز أن يذبحها إلا مسلم ، وهذا قول مالك ، وممن كره ذلك علي وابن عباس وجابر رضي الله عنهم وبه قال الحسن وابن سيرين .
وقال جابر : لا يذبح النسك إلا مسلم .
… ولنا أن من جاز له ذبح غير الأضحية جاز له ذبح الأضحية كالمسلم .
ويجوز أن يتولى الكافر ما كان قربة للمسلم ، كبناء المساجد والقناطر … والمستحب أن يذبحها المسلم ليخرج من الخلاف ] (4) .
قلت وهذا هو الصواب فلا ينبغي أن يذبح النسك إلا مسلم من أهل الدين .
وقد ورد عن علي أنه قال :[ لا يذبح نسيكة المسلم اليهودي والنصراني ] .
وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كره أن يذبح نسيكة المسلم اليهوديُ والنصرانيُ .
وعن ابن عباس أيضاً رضي الله عنهما أنه قال :[ لا يذبح أضحيتك إلا مسلم ، وإذا ذبحت فقل باسم الله اللهم منك ولك ، اللهم تقبل من فلان ] (1) .
تنبيه هام :
ينبغي أن يعلم أن بعض المسلمين من الموسرين من دول الخليج العربي وأوروبا وأمريكا ، يوكلون لجان الزكاة في بلادنا في التضحية عنهم ، ويدفعون أثمان الأضاحي لدى بعض الجمعيات الخيرية في بلادهم ، ثم تنقل هذه المبالغ إلى لجان الزكاة في فلسطين ، والتي تتولى شرائها ، ومن ثم ذبحها وتوزيعها على الناس ، ولا بد هنا من بيان بعض الأمور التي يجب أن تتنبه لها لجان الزكاة :
أولاً : يجب أن تكون الأضحية مستكملة للشروط الشرعية، ولذا يجب إعلام أمثال هؤلاء الناس قبل وقت الأضحية بثمن الضحايا في بلادنا ، لأن أسعارها تختلف من بلد إلى آخر ، فيمكن أن نشتري أضحية مجزئة بثمانين ديناراً في عمان ، ونحتاج إلى ضعف هذا المبلغ في فلسطين لشراء أضحية مجزئة . ولا يصح أن نشتري أضاحي غير مستكملة للشروط الشرعية ، بحجة أن المبلغ الذي دفع لا يشترى به أضحية مستكملة للشروط . ولا يجوز جمع المبالغ القليلة لشراء شاة واحدة ، لأن الاشتراك في الشاة لا يصح .
ثانياً : لا بد من الالتزام بذبح هذه الأضاحي في الوقت المقرر شرعاً ، وإن تأخر وصول أثمان الأضاحي من الخارج ، لا يعتبر عذراً في ذبح الأضاحي بعد مضي وقتها المقرر شرعاً فإن حصل ذلك فلا تعد أضحية .
وإن لم يتم ذبحها في الوقت المقرر شرعاً فيجب إعلام الذين دفعوا ثمنها أنه لم يتم التضحية عنهم .
ثالثاً : يجب الالتزام بتوزيع تلك الأضاحي على الفقراء والمحتاجين أولاً لأن الغالب في الناس الذين يبعثون بأثمان الأضاحي أنهم يقصدون التصدق بها على الفقراء والمحتاجين فلذلك فإني أكره أن يُعطى الأغنياء منها .