
كتاب: أفكار مدرس
لعبد السلام بن محمد الحمدان
المقدمة
فكرت يوما في حالي وحال من هم مثلي من المدرسين ، فقلت في نفسي : قد ولجت مجتمع التدريس دون أن أعرف كثيرا مما يدور في مجتمعهم ؟ وبماذا يهتمون ؟ ومن أي شيء يعانون ؟ دخلت إلى المدرسة وقد نسيت تلك الأيام الخوالي التي قضيتها طالبا في المراحل المختلفة – بدءا من الابتدائية وانتهاء بالجامعة – فتصورت أن التدريس غاية كل متخرج .... ومنى كل موظف ، وتخيلت – كذلك – أن الطلاب مشتاقون إلى المدرس ، ومتلهفون لما يقول ، وليس بينهم فرق كبير في السلوك والأدب والاستعداد للدراسة ....
أفقت من نومي على أول درس ألقيته في المرحلة الثانوية (....) – في أيام التدريب الميداني – فرأيت الحال قد تبدلت ، الأحلام الرومانسية قد تبددت ، والنظريات التربوية التي درستها في الجامعة قد تبخرت ولم يبق منها سوى كليمات ووصايا من أحد المدرسين الذين جلست معهم قبل التدريس بفترة قصيرة ، فاسترجعت شيئا منها وبدأت في محاولة تطبيقها ، وصحوت على طلاب كبار الأجسام حسبتهم مدرسين مثلي ، وتساءلت : كيف يدرس مثلي هؤلاء ؟ كيف ينصتون إلى شرحي .. والواحد منهم ربما يصغرني بسنة أو أكثر بقليل ؟ .... ورأيت في أول درس ألقيته أصنافا من الطلاب ذوي أشكال مختلفة ، وطبائع متباينة ، فهل من المعقول أن أعاملهم معاملة واحدة ؟
تصفحت بعض الكتب التربوية فلم أجد ما يلبي حاجتي .. لأن أكثرها يميل إلى المثالية والبعد عن الواقعية .. ويعرض عددا من النظريات والأساليب التربوية ، ولم تذكر فيها تجارب واقعية من واقع بلادنا ومن بيئتنا ، إلا بعض الكتب الأدبية التي تذكر الحوادث عرضا ، وضمن مجموعة من الموضوعات المختلفة ... فحاولت أن أجمع شيئا من ذلك التراث الضخم والعمل المستمر الذي ( تقاعد ) فيه الآلاف وبلغوا شأوا في طريقه ...
لكي يكون زادا للمدرس الناشئ ومعينا له على تخطي تلك العقبة الكؤود التي قصر فيها البعض .. وليكون شاحنا لمن هم في هذا السبيل ومازالوا يسيرون فيه ، وتتطلع نفوسهم إلى الإبداع والابتكار ..
وسمعت - فيما سمعت – عن قصائد كثيرة قيلت في هموم التدريس طواها الزمان ؛ وعلا الغبار دواوينها ومجلاتها التي تسكن فيها فعزمت على جمع ما يحسن منها ..فائدة ، وطرفة ، وذكرى .. ليكون مائدة جاهزة بين الأيدي ؛يتناول منها الآكل ما يريد ..
ولقد كتبت هذه السطور بعدما أحسست بالحاجة إلى تلك المعاني التي غفل عنها كثير من الآباء .. فقد أهملوا في تربية أبنائهم وأوكلوا تلك المهمة ( الحرص والمتابعة ) إلى الخدم والسائقين والمربين .. و حينها تذكرت تلك الأوقات – في المراحل الأولى – التي لا يمكن أن يفكر الطالب أن يخرج من بيته إلا بعد أن يؤدي ما عليه من حفظ وواجبات .. أتذكر تلك الأيام وأدعو الله أن يحفظ والدي بحفظه وأن يجزيه عني خير الجزاء ، وأن يرحمه كما رباني صغيرا بعد رحيل الوالدة إلى الدار الآخرة ؛ رحمها الله وأسكنها فسيح جناته .. أتذكر حرصه على تدريسي وتفوقي والأخذ بيدي يوميا إلى المدرسة ومتابعتي حتى تجاوزت تلك المرحلة الحرجة .. فاللهم لا تحرمه الأجر .. وعوضه الجنة يا أرحم الراحمين ..
ولا أنسى كل من شد أزري في جمع وتأليف هذه المادة وساعدني على إخراجها إلى حيز الوجود ، وعلى رأسهم أخونا الأستاذ الفاضل : سلطان بن سعد السلطان ، الذي قام بمراجعتها من الناحية اللغوية والفنية .. فجزاه الله خيرا وأحسن إليه ، وجعل ذلك في ميزان حسناته ، ولا أنسى جميع من أسدى على توجيها وأمدني بمادة نافعة ..
ومرة أخرى لعل هذا الكتاب يكون يستفيد منه المدرس في كثير من القضايا الملحة التي يعايشها يوميا .. مع الطرافة والتسلية لمن يعانون من هموم الطلاب .. وهي خواطر أحببت أن أعرضها على زملاء مهنتي ليأخذوا بأحسنها - إن وجدوا - .. وأعتذر عن بعض الكلمات التي يبدو عليها الحدة والقساوة . . لكن القصد من ذلك هو الرقي بهذه المهمة الجليلة ( التدريس ) إلى مراتب الكمال والطيران بأجنحة العلم إلى قيادة العالم الذي ينتظر الرواد ..
وما ينطبق على المدرسين فقد ينطبق – في الغالب – على المدرسات ، فهن يزاولن المهنة نفسها ويعشن ما يعيشه المدرسون ..
أسأل الله أن أكون موفقا فيما كتبت وأن يجعله من العلم النافع المتقبل ،
" والثواب هو وحده الذي يبقى ، على حين يفنى الإعجاب ، وتذهب الأموال، ويعود إلى التراب كل ما خرج من التراب "
وأستغفر الله وأتوب إليه ، وصلى الله على نبينا محمد ،،
أتمنى الفائدة لأساتذتنا الأفاضل
ودمتم بالحب
أختكم // مشمشيه