تذكر النعم
كثيراً ما يشكو الإنسان من سوء الحال، وضيق اليد وقلة المال، وقد يتحسر وهو يرى تقلب الذين كفروا في البلاد، ويتمنى أن لو كان مثلهم في بذخ العيش وترف الحياة وينسى نعم الله تعالى عليه بل يجحدها وينكرها ولا يراها قد ران عليه الران واستولى عليه الشيطان كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ الإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ﴾ [العاديات:6] أي لكفور بالنعمة، البخيل الجموع المنوع، وقيل هو الذي يعدد المصائب وينسى النعم. وحتى لا يقع المسلم في هذه الصفات السيئة كان لابد عليه أن يتذكر دائماً نعم الله تعالى عليه وهي كثيرة لا تعد ولا تحصى كما قال تعالى: ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾[ النحل:18] .
وقد أمرنا الله تعالى بتذكر نعمه وشكرها وعدم نسيانها وجحودها فقال سبحانه: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ﴾[ فاطر:3].
تذكروا نعم الله الجليلة عليكم، نعمه التي لا تعد ولا تحصى اذكروها بالشكر والثناء والطاعة والإنابة فهو سبحانه المنعم وحده على عباده بالرزق والعطاء ويرشدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى طريقة عملية نتعرف من خلالها على نعم الله ونشكره عليها ونحمده ولا ننكر فضله، فقال كما في الصحيحين "انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم" (1).
وهذا الحديث جامع لأنواع الخير، لأن الإنسان إذا رأى من فضل عليه في الدنيا طلبت نفسه مثل ذلك، واستصغر واحتقر ما عنده من نعمة الله تعالى وحرص على الازدياد ليلحق بذلك أو يقاربه، فيعيش في غم ونكد ومكابدة لا تنتهي، وهذه حالة أكثر الناس. لكن المؤمن الحصيف الذي يأخذ بتوجيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه إذا نظر في أمور الدنيا نظر إلى من هو دونه فيها، فتتجلى له وتظهر نعم الله عليه فيشكرها ويتواضع لله ويفعل الخير ويرضى بما قسم الله له. قال الله تعالى معدداً على عباده نعمه داعياً لهم لعبادته تعظيماً له وشكراً ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾[ البقرة:21-22] .
أول نعمة امتن الله بها على عباده هي نعمة الخلق والإيجاد ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾[ البقرة:21] وإذا تأمل الإنسان نفسه وذاته سيجد لديه من النعم ما لا يستطيع عدها، هذا العقل الذي وهبه الله لك أيها الإنسان من أعظم النعم, انظر إلى من فقد عقله كيف يكون حاله؟ ثم انظر إلى ما زودك الله به من حواس السمع الذي ندرك به الأصوات والبصر الذي تدرك به الألوان والشم الذي تدرك به الروائح، واللمس الذي تدرك به خشونة الشيء أو لينه، والطعم الذي تدرك به حلاوة المأكولات ومرارتها وحموضتها، وقد امتن الله علينا بذكر هذه النعم فقال: ﴿ قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ ﴾[ الملك:23] وقال سبحانه: ﴿ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾[النحل:78].
أيها المؤمنون إن نعم الله علينا كثيرة جداً لا نستطيع لها عداً ولا إحصاءً، فعلينا دائماً أن نتذكر نعم الله فإذا ذكرناها عظمنا الله وكبرناه وأحببناه من كل قلوبنا لما يغذينا ويعمرنا من نعمه، وهذا التذكر لنعم الله يدفعنا إلى شكر الله تعالى، لأن العبد إذا قصر في شكر الله تعالى وأعرض يكون من الكافرين والله يقول: ﴿ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ ﴾[ البقرة: 152] , وقال ﴿ اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ﴾[ سـبأ: 13] والواجب علينا أن نقابل نعم الله بشكره وذكره وحسن عبادته.
اللهم اجعلنا معترفين بنعمك شاكرين لآلائك، راضين بقضائك.
فاشكروا الله واحمدوه واذكروه وسبحوه وافعلوا الخير لعلكم تفلحون . وصلوا وسلموا على نبيكم